قانون الغاب !


قانون الغاب !



قانون الغاب !

تحية وتقدير إلى جميع الأخوة والأخوات القراء، وإلى كل من يحمل في قلبه ذرة من رحمة تجاه إخوانه البشر .. إلى الذين يعرفون معنى الدموع وتلك الآهات الموجعة من ألم في نفس أو لوعة فراق .
وبعد :
عدا الذّئب على الغنم فجالت واختلط أقصاها بأدناها واستنفرت الكلاب وأطلق الراعي طلقة من بندقيته . بعدها عمّ السّكون المكان وعادت الغنم إلى المراح . لكن إحدى الشّياه لم يستقر لها قرار، وفي عتمة الليل كانت تطوف بين الغنم الهاجعة وتثغي بحرقة بحثا عن وليدها الذي اختطفه الذئب دون أن يعبأ بالألم واللّوعة الذي أحدثه في نفسها . وفي الصّباح لحقت الشاة بالسّرح وهي تثغي وعادت في المساء وهي تثغي . ربما كان حزنها أكبر حين كانت ترى كل صغير وقد إلتقم شطر أمّه يهزّ ذنبه . لا بدّ وأن تجد بين تلك الصّغار ما ينسيها تلك الفاجعة، فكان أن رامت أحد صغار البهم الذي فقد أمّه في جريمة أخرى .
لقد أحدثت تلك الواقعة سؤالا كبيرا في عقل صغير لا يدرك يومها قوانين الحياة . كنت غاضبا من جريمة الذئب، لكن سرعان ما تلاشى عني ذلك الغضب حين أدركت أن البشر يشتركون مع الوحوش في ذات الجريمة ، فالجميع من آكلات اللحوم . ولا فرق بين سكاكين الجزّارين وأنياب السباع، فكلها أدوات لإزهاق الأرواح .
تذكّرت مأساة تلك الشاة وأنا أستمع إلى نشرة أخبار العالم .. وقد حوت تلك النشرة سبعة عشر خبرا كلها قتل ودماء وألم ودموع وهدم وخراب ودمار، وكأنّ هذا العالم الفسيح ليس فيه من الخير ما يستحق نشره . وفي تلك النشرة تحدث الأمين العام للأمم المتحدة فختم كلامه بعبارة ” حتى لا يسود قانون الغاب ” وذلك في معرض حديثه عن أحد الصراعات التي تجري على مرأى ومسمع من إدارته الفاشلة، فاستوقفتني تلك العبارة وأخذت أسأل نفسي عن هذا القانون ” قانون الغاب ” . وفي تلك الليلة خلدت إلى النوم وأنا أفكر في مشهد رهيب لجثث أطفال ونساء كان يجب أن يقتلوا في سبيل بقاء الزعيم المصنوع . سألت نفسي إن كان في الغابة شيء كهذا .
هناك الكثير من برامج الكرتون الموجهه للأطفال والتي تقلب الحقائق . فالكثير من الأطفال يعتقد أن بطن الحوت عبارة عن مدينة ملاهي، ذلك ما تصوره تلك البرامج في عالم يعيش رفاهيته على قلب الحقائق وخلق الأكاذيب وعلى الضعفاء أن يصدقّوا أن الفيل يمكن أن يطير ! . وفي هذا العالم من يقول : ” كذب مرستك، أفضل من صدق مفشلم ” وبين الكذب المرستك والصدق المفشلم تضيع الحقيقة .
وماذا عن قانون الغاب ؟
لقد ساد قانون ” العار ” في الأمم المتحدة ومجلس الهمّ والغمّ في عالم تحكمه الدكتاتورية التي تريد أن يكون البشر قطيعا من البهائم لا إرادة ولا كرامة . عالم يجوع فيه الملايين ويشبع الزعيم وعصابته .. يموت الملايين ويحيا الزعيم وزبانيته.. عالم تجد فيه الزعيم أغنى من كل مجموع الشعب ، ثم نجده يتحدث عن وطن ومواطنة . وفي قانون الغاب هناك قتل من أجل بقاء حياة . وفي قانون الشّر ( البشر ) هناك قتل من أجل بقاء منصب يعتقد صاحبه وشلته أنهم ورثوا الأرض ومن عليها .
في قانون الغاب لم نشاهد قتلا جماعيا وتطهيرا عرقيا رغم القوة التي يمتلكها القتلة وإنما قتل بحسب الحاجة .. لم نشاهد تدميرا شاملا لما تحويه أرض الغابة من حياة . وفي قانون الغاب تجد الحريّة المطلقة لجميع البهائم وكل الحيوانات في الغابة شركاء في تبادل المنافع، وفيها تسمع جميع الأصوات بدءا من زئير الأسد إلى نهيق الحمار .. الكل يعبّر عن وجوده في الغابة .. لكن في قانون الشر ( البشر ) لا صوت يعلو فوق صوت الزعيم وحزبه .
ليس في قانون الغاب سجونا للتعذيب وليس فيها أجهزة مخابرات تنتهك الأعراض وتهين الكرامة . وفي الغابة تشدو البلابل بأعذب الألحان، وفي الأمم المتحدة ينعق أمينها بأقبح الأعذار ثم هو يقول ” حتى لا يسود قانون الغاب “!
وفي القانون الالهي ( قانون العدل والرحمة ) يقول الله تعالى عن حرمة النفس الزكيّة ” من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ” . وفي قانون الشر ” من قتل نفسا فقد أحيا نظاما مستبدا ” .
لا بد للبشر أن يدافعوا عن وجودهم، عن كرامتهم، عن إنسانيتهم، وأن لا يركعوا ويسجدوا لأولئك العواهر الذين لا يعرفعون عدلا ولا رحمة ولا إنسانية .
وإذا كانت الصورة كما نرى، فمن حق زعيم الغابة أن يفخر بقانون الغابة، وأن يهزأ من قانون زعماء البشر .
والسلام


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *