في ذاكرة النسيان


في ذاكرة النسيان



 

تبدأ القصة من النهاية، كانت الشرارة الأولى، لحظة الشعور بالعجز التام، وقت الحاجة ليد حنونه تربت على كتفه، كان ينتظر حصاد السنين الذي بذل فيه كل مايملك، أنحنى ظهره ورق عوده وكبر سنه وشابت سنينه، رحلوا جميع أصدقاءه لم يبقى سواه يكابد الغربة في هذا المكان الكئيب، كان يندب حظه يراجع ذكرياته، يحاول أن يحدد اللحظة التي أفلت فيها زمام الأمور، كيف لهذه القلوب أن تقسوا عليه بعد أن أطعمها من وقته وصحته وعمله وعمره، أين الخلل في الموضوع بل أين أساس المشكلة التي جعلت منه منبوذًا بين أبناءه ليتخلصوا منه في دار يكمل بها ماتبقى له من عمر، كلما فكر زاد لمعان الشيب في رأسه، وسقطت دمعة تحمل فيها كثير من الذكريات، كلما ذكرهم أعتصر قلبه أشتياقًا لأصواتهم وضحكاتهم ومشاكساتهم، تتصارع أفكاره في رأسه، لم أكن عاقًا لأبي ليكون هذا دين أحصده في حياتي قبل مماتي، وقف العم صالح أمام حديقة الدار يتأمل الساكنين وهم يفترشون أرض الحديقة وكل شخص يحمل غصة وحكاية تلهب قلبه يخفيها بضحكات زائفة ونقاش عقيم يتجاذبون فيه وجهات النظر ليمضي الوقت سريعًا قبل أن يخلد كل واحد منهم في زنزانة عقله مع جيش لئيم من الذكريات وأصوات طفولية توقف بهم العمر عند هذا السن في رؤوسهم، كانت مهمة الذاكرة صعبة للغاية في أستيعاب كل هذه القسوة والجحود من الأبناء، فكانت رحيمة على المسنين إذ حذفت الأعمار الحقيقية ليبقوا جميعهم أطفال في أعين أبائهم مازالوا قاصرين لايعرف النكران قلوبهم.
لا أعلم أيّ قلوب تلك التي تحملها صدورهم، كيف تغمض أعينهم هانئين منعمين في بيوتهم و أبائهم يعانون الوحدة في تلك الأماكن، لم تقصر في أحتواء عجزهم ولا كبر سنهم، بل حفظت لهم كرامتهم بكل طريقة حسنة تواكب أعمارهم ووفرت لهم كل الكوادر والجهود التي تساعدهم في العيش برخاء ونعيم، ولكن أين دور الأبناء في رد جميل أبائهم، بل أين ذلك الأسم الذي يبني أسمك كلما نطقت به في أذن أحدهم أشاد لأبيك بالعنان والرفعة والفضل والمواقف التي لا تحصى، بل أحيانًا بمجرد أن يعرف أحدهم أن فلان أباك تتسهل كل معاملاتك وتبنى لك جسور متصلة من المعرفة والمصالح، أين هو جزاء المعروف لشخص حرم نفسه لأطعام أبناءه وقصر في حق نفسه ليرى الفرحه ترتسم على وجوه أطفاله، نسأل الله العفو والعافية من تلك القسوة التي تغلف بعض القلوب وتجمد كل المشاعر الطبيعية بين الأباء والأمهات وأبنائهم، أيّ توفيق ذلك الذي تفتخر به و أيّ منزلة تلك التي تتباهى بها، أن طال الزمان أو قصر سترى جزاء مافعلته وعقاب ما أقترفته يداك في حق الشخص الوحيد الذي تمنى أن يراك أفضل منه في كل شيء، مهما كان تاريخ الأب أو الأم وذكرياتهم معك من قسوة أو ظلم لايوجد مبرر في أن تضعهم في تلك الأماكن، وأن يحتضروا كل يوم في سبيل التناسي ولا ينسون سوى أنفسهم ليذكروا فلذات أكبادهم.
قال الله تعالى : “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً”


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *