إن مصير المستهلكين لم يعد في جيوبهم   !!


إن مصير المستهلكين لم يعد في جيوبهم !!



[SIZE=5] إن مصير المستهلكين لم يعد في جيوبهم ولا بين أيديهم، إنه يُلعب أمام عيونهم.
وإن التاجر المستفيد المباشر من الإعلانات التجارية يخفي وراءه المستفيد الأكبر، الشركات المنتجة، وما يتصل بها من نظام سياسي، كانت دعايته وإعلانيته توأمين!!.
الإعلان أخطر واقعة اجتماعية وإعلامية وثقافية واستهلاكية في عصرنا, وهذه الواقعة ربما بدأت مع عصر المقايضات الاقتصادية والاجتماعية
فقد كان المستهلك القديم يسعى إلى التأكد من جودة السلعة أو الشيء المعروض، فيلمسه ويقلبه ويقارنه بسواه، ويفيد من خبرة سواه، وربما ذهب إلى حد تجريبه أو تذوّقه، ليتأكد من أنه على صواب فيما يشتري ويستهلك.
إننا نتظاهر بالاستهلاك, فمنذ أن يأكل المرء ما يشبع جوعه، يستعمل فعل الاستهلاك لبناء صورته الاجتماعية، بقدر ما يستخدم في تجديد قوة عمله أو إشباع رغباته.
صحيح أن العالم مازال منقسماً إلى أمم غنية وأمم محرومة، فالبلدان التي صارت فيها التخمة داءً وبيلاً، تتناقص مع البلدان التي تعد فيها التخمة من علامات الثراء والقوة.
إذ الوفرة تصحبها عقيدة اقتصادية ترى أن الاستهلاك والانتاج يخضعان لمنطق حساب المنفعية والانتاجية.
إن المجتمع الاستهلاكي هو المجتمع الذي ينكر كل ما هو خارج الاقتصاد في عملية الاستهلاك.
والإعلان الحديث، في صوره المتعددة، من صحف ومجلات وملصقات ولوحات إعلانية خطير جداً.

فهو يقيم مسافة سحرية ثقافية بين السلعة والمستهلك، فهذا الأخير يبدو كأنه أمام صندوق فرجة، يُدهش قبل أن يدعى إلى الشراء, فماذا يستطيع المندهش أن يعرف وأن يختار؟!.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى ، يُنغِّص الإعلان حياتنا اليومية، من خلال الصحيفة والنشرة والملصق والسينما والإذاعة والتلفزيون.
ومن ثم ، أصبح في مستطاع المثقفين الإعراب عن أحكام غير مشجّعة عن الإعلان ، ربما لأن معلمّينا الفكريين يحسّّون بأن كل إعلان هو بمنزلة منافس غير شرعي, على هذا الصعيد يبدو مميزاً، ما اعتمده هربرت ماركوز (في الإنسان ذي البعد الواحد)، والذي يرى أن الأفضل هو تمييز حاجاتنا الحقيقية من حاجاتنا الزائفة.
فهذه الأخيرة إنما تُفرض على الفرد من الخارج الاسترخاء، والتسلية، والحركة، والاستهلاك وفقاً للإعلان أو الإشهار، حب وكره ما يحبه أو يكرهه الآخرون هذه كلها حاجات زائفة في معظمها.
ولذا قال بعض المثقفين ، إن وجهة الإعلان هي ابتكار خَيالات وصور مدهشة وملء حياتنا بها، فلابد للإعلان ، في المقابل، من تقبّل تشويهه في الأدب والسينما والمسرح, ذاك أن مقامه كوزير أول في مملكة الثقافة الجماهيرية ,, يستدعي الهجاء والرفض .
ولئن كان المبشر الإعلاني يخدم زبائنه بفعالية مفرطة، فهو سيثير الحذر والخوف في رأي عام يهدّده تلاعب مفضوح، ولكنه، لو كان يُظهر وجهاً في غاية البشاعة، لما صار في إمكان المنتجين الوثوق به للتأثير في الطلب، ولسحبوا بساط الزبائن من تحت قدميه.
إن من المفارقات التأكيد على أن الظواهر الاجتماعية التي يتلاعب بها النشاط الإعلاني غير معروفة كفاية، وغير متميزة بالدرجة المطلوبة، خلافاً لما نعتقده.
إن جهلنا في الموضوع سيكون كبيراً على قدر ما تكون المرسلات الموجهة إلينا المسمّاة نوعياً إعلانات والمنظمة في حملات إعلانية هي الثمرات المتوقعة لاستراتيجية يكون فيها الناس مستعبدين, فهي تدور بين ثلاثة أشخاص نموذجيين :
(1) المعلن،الذي سيدفع لأجل الحديث عنه وعن السلع أو الخدمات التي يتعيّن عليه بيعها.
(2) الوكيل، منتج المرسلات ، الذي يعمل لحساب المعلنين.

(3)الناقل، مالك الواسطة الإعلانية الذي يؤجر للمعلنين جزءاً من مجاله,, لكي يستعملوه لنقل الرسائل الإعلانية.

إن قواعد اللعبة تتحدد بالموقع النموذجي لكل منهم، ويكون الناس يُستخدمون شهوداً على الإعلان.
يقول جيرار لانيو في كتابه سوسيولوجيا الإعلان : لقد نشأ الإعلان من حرية المستهلكين التي حلّت محل النظام التوجيهي، نظراً لان الرأسمالية لم تتمكن من النمو إلا من خلال الاعتراف للمنتجين بحرية صورية، كان ينكرها عليهم وبصفات شتى النظام الإقطاعي.
وسرعان ما كان للإعلان أثر ثقافي، من حيث اضطراره لاستخدام وسائل اتصال جماهيرية، لبيع المواد التي أنتجها المجتمع الصناعي بكميات كبيرة.
كذلك فان بعض الاقتصاديين يرون أن الإعلان سلاح التنافس، يستمد مزاياه الكبرى من التجارة التي يريد أن يكون خادمها.
لكن التاريخ هو الذي جعل من إعلاننا واقعاً اقتصادياً في المقام الأول، ويمكن إرجاع مفهوم التجارة إلى أي شكل من أشكال التواصل بين الناس وفلسفياً، أمكن تحديد الإعلان بوصفه تبادل الجميع مع الجميع.
إن الإعلان التجاري يستلزم التفاعل بين المعلنين ووسائل الإعلان وصانعي الإعلانات.
والواقع، فان الصحافة القليلة الكلفة هي الناقل الرئيسي للإعلان، يُساعدها في ذلك، الملصق والدليل، لكنها لم تستطع الاضطلاع بهذا الدور إلا من خلال التقدم التقني.
في مستهل هذا القرن ، بينما كان الاقتصادي ثورستاين فبلن ومن خلال كتابه نظرية الطبقة المترفة يصف ظهور نخبة طفيلية في صميم أمريكا المساواتية، كان العالم الاجتماعي ، سيمل ينسّق هذا النمط من الظواهر، وكان يرى فيه أساساً لنظرية الموضة الأشكال الاجتماعية، والملابس، وكل ما يُعبّر به الناس وهم يتخذون لأنفسهم أسلوباً، إن هذا كله يخضع لنموذج الموضة, إن نظرية الموضة تخضع في الواقع لنموذج ترويج السلع من خلال الجسم الاجتماعي، طبقاً لحركة عمودية تهبط من الطبقات العليا الى الدنيا، إلاّ أن حركة الصعود الاجتماعي للأفراد تعطي للظاهرة طابعها الدائري.
إن تذوق المبتكرات الجديدة هو التعبير النموذجي عن الرغبة الفارغة الخاصة بأولئك الذين لا يمكنهم الصعود إلى الأعلى، ومن المفارقات أن هذا الاستهلاك الباذخ يستعمل نموذجاً للمراتب الدنيا, ومن ثم، فالقصف المتواصل للمرسلات لا يطال ضحايا مجرّدة من سلاحها ومعزولة فقط، في الواقع تنصب حمم الإعلان على زُمر ومجاميع اجتماعية مختلفة، أي على كائنات جماعية, إذن، لابد من تغيير وجهة نظر الإعلان برمتها, فبدلاً من النظر إلى المستهلك انطلاقاً من المنتج، ينبغي علينا النظر الى المنتج بعيني المستهلك.

إن منظار المستهلك يرغم المعلن على التساؤل عن أذواق الناس.
إن الأسئلة المثارة حول المستهلك الإعلاني أكثر غنى وخصوبة، من مثل : هل استهلاك الإعلانات هو من نموذج واحد مثل باقي الاستهلاكات؟, وما العلاقة القائمة بين الاستقبال المخصص للخطاب الإعلاني وللوسائل التي يتوسلها، وللمنتجات التي يتحدث عنها؟!,.
الحقيقة أن منظار المستهلك يخدم المصالح الخاصة للمعلنين، إلى جانب توسيع مجال تأثير الإعلان، والانفلات من القيود المفروضة على الإعلان القديم.
إن نظاماً يتجابه ويتوازن العرض والطلب فيه، من خلال انتاج السلع والخدمات واستهلاكها، إنما يجبر محرك التنافس الإعلاني على تفاقم تناقضات المجتمع الاستهلاكي.
فاذا كان الاستثمار المكرّس لتنشيط المبيعات ليس تبذيراً محضاً، أي إذا كانت الحملات المتنافسة لا تلغي مؤثراتها, المتبادلة، فان النتيجة الإجمالية هي تماماً نتيجة تحفيز راسخ للطلب، ويمكن أن يتكيف الضغط الإعلاني دون أن تتمكن العملية من الارتكاس.
إن الماضي لا يعلن المستقبل، لكنه قادر على تكوينه, فالصناعة الإعلانية الحديثة التي بدأت مع الثورة الصناعية، باعت المبتكرات، للقرن التاسع عشر والماركة للقرن العشرين.
ونصل اليوم إلى عصر ثالث من عصور الإعلان، اذ تُباع صورة المنشآت نفسها، هذا ما يسمّى الاتصال المؤسسي، الذي يبقي مع ذلك نوعاً من الإعلان .
لذا، فإنني أتحدث عن نهاية الإعلان إذن، مات الإعلان، فليحيا الإعلان.
ختاماً أقول الإعلان مسار تثقيفي استهلاكي، يُسيّر عقليات الناس، دون أن يدروا غالباً، في الاتجاه المقرّر عالمياً من قبل مصممي الإعلانات والأزياء والصرعات.

أ . د / زيد بن محمد الرماني ـــــ المستشار الاقتصادي و عضو هيئة التدريس
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[email]zrommany3@gmail.com[/email]
[/SIZE]


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *