هل السفر  مسقط للحضانة ام لا


هل السفر مسقط للحضانة ام لا



مما قرره علماء الشريعة أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما . وإني حينما أقول ذلك لا يفهم القارئ الكريم أبدا أنني أقصد أن الأحكام قد تتغير !!معاذ الله !

وربنا تعالى يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .

إنما حديثي هو منصب فقط حول بعض الأحكام الاجتهادية التي يذكرها هل العلم ، والتي قد يختلفون في مناط التحقيق فيها . وحتى لا أطيل في هذا الموضوع والتفصيل في العلة وأنواعها ، ودرجاتها ،أدلف للموضوع مباشرة . 

والسؤال : من ذكر من أهل العلم أن السفر مسقط لحضانة الأم ما مستنده ؟ وهل لنا أن نقول أن الحكم هنا قد يتغير بناء على تغير المناط الذي بني عليه الحكم ؟ 

 

– ابتداءً أقول:ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن سفر النقلة (الانتقال من بلد الى آخر) مسقط لحضانة الأم ، على تقييدات لدى بعضهم كاشتراط عدم قصد المضارة بالأم .. انظر الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ( 2/531 ) ، مغني المحتاج(5/210) ، كشاف القناع ( 5/500 ) ..

–  لكن السؤال هنا : ما منشأ اختيار هؤلاء العلماء الأجلاء لهذا الرأي ؟

جاء في الموسوعة ( ١٧/ ٣٠٩ ) ” فَإِنْ كَانَ سَفَرُ أَحَدِهِمَا ( الْحَاضِنَةِ أَوِ الْوَلِيِّ ) لِلنُّقْلَةِ وَالاِنْقِطَاعِ سَقَطَتْ حَضَانَةُ الأْمّ ِ، وَتَنْتَقِل لِمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ بَعْدَهَا ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَالْمَكَانُ الْمُنْتَقِل إِلَيْهِ مَأْمُونًا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرِ، وَالأْبُ هُوَ الأْوْلَى بِالْمَحْضُونِ سَوَاءٌ أَكَانَ هُوَ الْمُقِيمَ أَمِ الْمُنْتَقِل، لأِنَّ الأْبَ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ الصَّغِيرِ، وَحِفْظِ نَسَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ فِي بَلَدِ الأْبِ ضَاعَ ” أ. هـ 

فالعلة هنا ما جاء في قوله ( لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير ، وحفظ نسبه ، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع ). من المعلوم أنه لم يكن في السابق وفي زمن هؤلاء الأئمة مسألة الوثائق الرسمية التي نراها اليوم والتي أصبحت ضرورة ملحة ، حيث أصبح لا يوجد انسان إلا وله وثيقة رسمية باسمه واسم أبيه وجده وعائلته أو قبيلته التي ينتمي إليها وكذلك رقم خاص به ، بل تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك بما يعرف بنظام البصمة  ..

والسؤال هنا : هل التعليل في استحقاق الأب حضانة ولده بالخوف من ضياع نسبه واردة في هذا الزمن ؟

وهل السفر في هذا الوقت كالسفر في السابق ، من جهة أمنه ، وكذلك من جهة طول المكث ، ومشقة العودة في حال الرغبة ؟  أم أن الأمر مختلف تماما !!

وحقيقة من تأمل كلام الفقهاء في الحضانة يجد أن عامة استدلالاتهم إنما هي تعليلات قد تقوى في زمن وتضعف في زمن آخر . 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جامع المسائل ( ٤٢٠ / ٣ ) ” ومما ينبغي أن يُعلَم أن الشارع ليس له نصٌّ عام على تقديم أحد الأبوين مطلقًا ، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقًا ، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدُهما مطلقًا، بل مع العدوان والتفريط والفساد والضرر لا يُقدَّم من يكون كذلك على البَرِّ العادل المحسن القائمِ بالواجب” أ . هـ 

وقال ابن القيم – بعدما ساق خلاف أهل العلم في هذه المسألة – ” وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه، فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة، فإيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي، ولا تأثير لإقامة ولا نقلة، هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه. فإن أراد ذلك لم يجب إليه ” زاد المعاد ( ٥/ ٤١٤ ) بل قد شنع ابن حزم على الجمهور وحدّ في عبارته غفر الله لنا وله  ومن أراد الرجوع له فليراجع المحلى ( ١٠ / ١٤٦ ) .

وحتى أكون أكثر إنصافا  وبما أنني أتكلم عن مسألة لاختلاف الأزمان والأحوال فيها ارتباط وثيق فإنني أنقل لك أيها القارئ الكريم كلاما لأحد العلماء المعاصرين في هذه المسألة ، وهو العلامة ابن عثيمين غفر الله له 

قال رحمه الله في الشرح الممتع على زاد المستقنع ( ١٣ / ٥٤٢ ) ” الصحيح في هذه المسألة: أننا إذا علمنا أن الولد بحاجة إلى الأم ، أو أن الوالد سيضر بالولد، فإنه بلا ريب الأم أحق بالحضانة من الأب ؛ لأن وجود الطفل مع أمه ، يرضع من لبنها أنفع له من الرضاعة من لبن غيرها ، والحضانة يُنظر فيها إلى ما هو أصلح للطفل ” 

وخلاصة القول وحتى لا يساء الفهم في طرحي  فإنني ألخص ما كتبته بعبارة جامعة مانعة وأقول ( إن الجمود على رأي فقهي قرره أهل العلم السابقين على أن يكو منشأ استدلالهم علل قد تتغير بتغير الأزمان والأحوال لا يتناسق مع سعة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان ، وعراب ذلك كله هم العلماء الذي استجمعوا آلات العلم والفتوى دون غيرهم من عامة الناس ) .

                               


1 ping

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *