هل نحن أمة لا تقرأ ؟!


هل نحن أمة لا تقرأ ؟!



أحيانا الحال يغني عن السؤال والجواب معا ! العرب لا يقرأون , واذا قرأوا لا يفهمون , واذا فهموا لا يعملون (موشى ديان) . بغض النظر عن الهدف الذي أدلى من أجله بهذا التصريح , يكاد يكون وزير الدفاع الاسرائيلي في حرب 67 قد أصاب كبد الحقيقة ! وللأسف في أمة أول كلمة نزلت عليها في كتابها المقدس (القرآن الكريم) قوله تعالى ( إقرأ) , وعلى أمة كانت الأمية تطغى عليها , والغالبية العظمى منها لا تكاد تجد قوت يومها . بل تجد أنه مع ارتفاع مستوى الدخل وانحسار مستوى الأمية في جميع انحاء العالم الاسلامي , وارتفاع نسبة المتعلمين والمثقفين , ومع ذلك تجد المشهد الثقافي في تقهقر مستمر ! شارع الفجالة (حي الفجالة) في القاهرة (معقل الثقافة) في مصر , حيث تتركز فيه دور الطباعة والنشر والمعرفة والمكتبات العريقة , بدأت تنحسر شيئا فشيئا وتحل مكانها محلات السيراميك والأدوت الصحية بكل مستلزماتها والمخازن الخاصة بها , هذا الأمر بدأ منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي يعني قبل الثورة التقنية والمعرفية , حيث كان الكتاب الورقي سيد الموقف . بل أصبح من المعتاد إن تجد في جميع الدول العربية والاسلامية بدون استثناء الإغلاق المتواصل والمنظم للمكتبات الثقافية , أو تحولها إلى ممارسة أنشطة أخرى تدر عليهم أرباحا (الموت البطيء) ! بل تجد إن معظم المكتبات القائمة والتي ما زالت صامدة حتى الآن ,  قد بدأت في التركيز على المستلزمات المدرسية , الأدوات الكتابية , التجهيزات المكتبية , الأجهزة التقنية , الألعاب ! ولم يعد الكتاب (الثقافة) تشغل إلا حيزا صغيرا من تلك المكتبات , بل لا يكاد أن يبين (لزوم) الديكور , وتجد معظمها كتب بالية قد عفا عليها الزمن وذات لون ثقافي واحد (لا جديد) . أما الصحف والمجلات فمنذ فترة طويلة لا تجد أحد يلتفت اليها لأسباب لا تخفى على أحد (ضعف المحتوى) و (مقص الرقيب ) ! بل تجد أن دور النشر أصبحت لا تغامر في طباعة أي اصدار , بل وغالبا ما يتم ذلك عن طريق المؤلف أو الدخول معه في (شراكة) ! أو تتم الطباعة عن طريق الأندية الأدبية والتي بدورها تعاني من (بيات شتوي) طويل أو تتم الطباعة من قبل (فاعل خير) ! بل تجد العديد من أعلام ومثقفي الأمة الأحرار قد عاشوا وماتوا فقراء لا يملكون من حطام الدنيا شيئا (العقاد) مثالا . حقا الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها (مالك بن نبي) . ما يقوله المفكر الجزائري يتجسد في الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة , حيث تنتشر الحروب والأرهاب والتطرف والفقر والجوع وتجزئة المجزأ وتقسيم المقسم  , والبعض يصارع من أجل البقاء ! في الماضي كانت القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ , والآن انظر إلى حال تلك الدول ؟! هناك مقولة قديمة جدا تقول : (قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت) , كي تتأكد من صدق هذه المقولة , ما عليك سوى أن تلج إلى أي مجلس أو مضافة أو ديوانية , وحاول أن تستمع إلى الأحاديث التي تدور بين الحضور لتعرف إلى أين وصل ( المستوي الثقافي) ! في المطارات تم تأمين الكتب الثقافية مجانا (بادرة طيبة) ,  لتمضية وقت الانتظار بما ينفع الناس , ومع ذلك فمن النادر جدا إن تجد راكبا يتصفح كتابا , بل تجد الجميع مشغول في الاحاديث الجانبية , أو تناول المشروبات الحار منها والبارد (جدا) ! بل تجد أن البعض لم يتصفح كتابا أو يقرا في مجلة أو صحيفة منذ سنوات ! المشكلة أن تجد أن البعض ما زال يكابر ويستشهد بقيمة المبيعات التي تحققها معارض الكتاب , مع أن الكتب التي يتم بيعها في المعارض تستخدم غالبا في الزينة , على اعتبار أن المكتبة في المنزل جزء من الديكور مثلها مثل غرفة النوم والمجلس والطعام ! بل أن معارض الكتاب تحولت إلى أماكن للترفيه (فعاليات للعوائل والأطفال والهدايا ) اضافة إلى الندوات والمحاضرات والمسابقات المسيسة (الموجهة) , والتي ليس لها علاقة بالثقافة غالبا ، وتجدهم يبررون ذلك بأن هذه الفعاليات تتم على هامش معارض الكتاب ! مع أنها أصبحت تطغى عليها وتكاد تكون هي القاعدة والمعارض هي الإستثناء ,  ومن دونها سوف تجد الاقبال على هذه المعارض ضعيفا جدا, ناهيك احيانا عن الارقام المبالغ فيها التي يقدمها القائمون على تلك المعارض , لاثبات نجاحها وضمان استمرارها  (تبادل منافع) . أما الجانب التقني (الثقافة الالكترونية)  فليست بأحسن حالا , بل أصبح من المعتاد أن تجد مقطع تافه أو تغريدة شاذة أو خبر ما وقد حقق نسبة مشاهدة تجاوزت الملايين , بينما تجد المقالات الثقافية الجادة و(العميقة) في الطرح لا تحظى بأي أقبال , واحيانا لا تتعدى اعداد القراء العشرات , مع انها قد تكون عائدة إلى كتاب ومفكرين يشار إليهم بالبنان . بل تجد أن المقالات التي تتحدث عن اسعار الغذاء والماء والكهرباء والهاتف والصحة والبلديات تحظى باقبال منقطع النظير من قبل القراء (ثقافة الخدمات) ! اما الكتاب الالكتروني فهو في حكم الميت سريريا , من غير المعقول إن تجد دولة مثل اسبانيا ما يتم اصداره سنويا من الكتب الثقافية والصحف والمجلات والنشرات يعادل ما يتم اصداره في العالم الاسلامي مجتمعا . يبلغ معدل القراءة عند المواطن في امريكا ما يعادل (16) كتاب سنويا , أما في العالم العربي فمجرد (ربع صفحة) ؟! في الغرب تجد الكتاب رفيق درب المواطن , حيث تجده دائما معه في حله وترحاله , وهنا يكمن السر في تقدم هذه الأمم . الخطب كبير والمصاب جلل والحلول لا يمكن اختزالها في كلمات أو اسطر . يبدأ الحل من المنزل (تنمية ملكة القراءة) ثم المدرسة والجامعة ( تنمية ملكة البحث )  والادارة بل والشارع , وكل منها بحاجة إلى وقفة وتفصيل .


4 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *