الأدب البوليسي : التأصيل ومفارقة التلقي


الأدب البوليسي : التأصيل ومفارقة التلقي



تحتل الاعمال السردية مكانة بارزة بين الاجناس الادبية المعروفة كونها تمثل انعكاسا لملامح المجتمعات الانسانية في نموها وتطورها وصورة حقيقية لتفاعل الفرد مع بيئته ومحيطه الاقرب.

وقضت الحكمة الالهية ان تتخذ الرسالات السماوية من القص سبيلا امثلا لخطاب متكامل البلاغة لمحاكاة عقول وقلوب البشر بما يتناسب  وفطرتهم ومفاهيمهم وما جبلوا عليه.

وكان للسرد التوثيقي بعد فك الرموز الهير وغلوفية الفرعونية والمسمارية كبير الاثر في التعريف بحضارات سادت ثم بادت , ومنها مابقي مشكلا حضارات لا تزال قائمة.

واذا ما عرضنا للنص الجرائمي فهو ليس حديث عهد , فقد وردنا  في نصوص القران الكريم قصة اول جريمة على سطح الارض وهي قصة قابيل وهابيل وما احتوته من مآثر وعبر.

كما وان ” الالياذة ” للشاعر الاغريقي – هوميروت- تضمنت في مواضع منها العديد من حكايات التشرد والقتل الجماعيوبما لامس النصوص الجرمية , وهو ما نجده ايضا في الاساطير القديمة مثل عمل الاغريقي سوفوكليس ” اوديب ملكا”, وحتى في الادب الشرقي ” الف ليلة وليلة” تجلى النص البوليسي في مروية ” التفاحات الثلاث” , وفي الصين تم توثيق نصوص في ذات المسار بمواصفات السرد البوليسي العام.

وتأتي كلمة ” بوليس” والمتداولة في معظم لغات العالم تقريبا كمصطلح من اليونانية القديمة لكلمة ” بوليتيا”, والتى تعني ادارة المدينة , وليتطور المفهوم لاحقا ليطلق على العناصر المدربة والمهيأة لحماية القانون وحفظ النظام , وبضبط الوقوعات الاحصائية اليومية تشكلت بعض النصوص من خلال قضايا اخذت طابعا سرديا لايضاح وابراز المنجز الامني.

وفي القرون الوسطى صيغت العديدمن النصوص السردية الاجرامية من خلال ما عرف ب ” الادب البكرسيكي” وهو ماعرفته الاكاديمية الاسبانية بأنه ادب ” شحصية متشردة متصعلكة دائمة الترحال” والذي اشتق لغويا من معنى ” بكاريو” التي تعني حياة الصيد والتنقل والاستحواذ بلا مشروعية , وفيما يقابل الصعلكة في الادب العربي.

وفي مرحلة لاحقة ظهر ما عرف ب ” الادب القوطي ” والذي عرفه معجم – لاروس 2000 -بانه ” ادب حكايات صاخبة فانتاستيكية مثيرة, وسميت بذلك لأنها اتخذت من الاديرة المظلمة والشرفات الغامضة والدهاليز السرية مقرا لاحداثها المرعبة “.

ووثقت هذه المرويات القوطية باعمال سردية حملت شذرات بوليسية منها ما افتتحه الانجليزي – هوراس ولبول – بعمله الروائي ” قصر اوترانت” 1765م , ومن ثم الفرنسية – ماري شيلي –  في عملها الموسوم ب ” فرنكشتاين”1818م  والذي ترجم الى عدة لغات وتم تجسيده في السينما العالمية اكثر من مرة.

وكمفهوم عام ووفق معجم النقد الفرنسي فان السرد البوليسي الحديث ظهر في القرن 18 وتزامن مع التطور الحضري للمدينة الاوروبية , والعلم الوضعي , والشرطة وتقنياتها المساعدة .

وتتقارب البنية الفنية الاساسية في النص البوليسي مع السرديات العامة , الا انها يغلب عليها مواضيع جوهرها الجرائم وشخصياتها المؤثرة محدودة جدا وحوارها مبني عادة على الحدث.

وان ارتبطت النصوص السردية البوليسية في البدايات بالجرائم التقليدية الا انها تطورت مع الجرائم المستحدثة لاحقا , وتنامت مع المفهوم العام للجريمة في ابعاده : الشرعية , والقانونية , والاجتماعية , والاخلاقية , حيث الشرعي ما استوجب حدا او تعزيرا , والقانوني ما خرق القانون وانشا مسؤولية جنائية , والاجتماعي ما خرج عن قواعد الضبط والعرف المجتمعي , والاخلاقي ما تنافى مع الآداب العامة وخدش الحياء في غير موضع.

اما عناصر العمل البوليسي فقد شكلت جدلا بين عدد من اللغويين البارزين فمنهم  ” فان ديك ” الذي ذهب الى 20 قاعدة عامة لكتابة العمل البوليسي , الا ان اللغوي ” تودوروف ” وضعها في  8 قواعد مع التركيز على الترقب والفضول والتفسير المنطقي للاحداث , ليأتي الانجليزي ” اوستن فريمان ” الذي حددها باربعة عناصر هي المعتمدة حاليا في الدراسات المنهجية عن السرد البوليسي وهي :

  • الجريمة , اذ انه لابد من كون العمل المرتكب معرفا ومُجَرما بنص وفق التشريع او القانون او العرف السائد .

  • البيانات , ووجودها ضرورة لمصداقية المسار المنطقي فيما يتعلق بالبحث والتحري وحتى لا تُفَسر الحلول من خلال قدرات ميتافيزيقية , او خوارق خارجية , ولتكون موضوعية في مقاربة النتائج وحصر الشبهات وتضييق دائرة الاتهام .

  • المحقق , وهو الشخصية المحورية الفاعلة والذي لابد ان يتسم بالذكاء وسرعة البديهة والقدرة على ربط النتائج بمسبباتها , وان يكون ملما تماما باجراءات وانظمة العدالة الجنائية , كالقبض , والادعاء , والترافع , والتقاضي , وايضا معرفة العقوبات وبدائلها غير السالبة للحرية وحدودها العليا والدنيا , اضافة الى النزاهة المهنية والاخلاقية.

  • الحل , وهو من المفترض ان يستند على الادلة والقرائن والبراهين في سياق حيثياتها وحقوق المتهم واقرار العدالة.

وهذه العناصر تشكل المحك الرئيس لتصنيف العمل فيما اذا كان بوليسيا كانموذج يحتوي على كافة العناصر ام فقط ذا دلالة او وقع بوليسي اذا ما احتوى على بعض منها.

وكمثال للعمل المتكامل بوجود كافة العناصر المذكورة نأتي على المستويات التالية :

  • المستوى العالمي , مثل اعمال الامريكي – ادجار ألن بو- في رواية ” قتيلتا شارع مورج” , واعمال –ويلكي كولنز-  في ” حجر القمر”واعمال السير – أرثر كونان دويل- وبطله –شرلوك هولمز– في “الدراسة القرمزية” و – موريس لبلان-  وبطله – ارسين لوبين-  واعمال الانجليزية – اجاثا كريستي – وبطلها –هركيولبوارو– في “جريمة قطار الشرق” وكذلك اعمال كل من : سيدني شولدن ” العراب” , و – جورج سايمون- ” جريمة في الريفيرا” و – دان براون – ” شيفرة دافنشي”, و – باتريك اوكسيند– في رائعته ” العطر” .

ومن المعروف ان روائيين كبار لهم اعمال ذات ايقاع في النص البوليسي بوجود بعض العناصر مثل : –  الامريكي – ارنست همنجواي- الحاصل على نوبل 1954م , وعمله ” تملك او لا تملك” , ايضا الانجليزي – تشارلز ديكنز- في ” البيت المنعزل” , كذلك الايطالي–امبرتو ايكو- في ” اسم وردة”والروسي النوبلي 1970م  – الكسندر سولجنستين–في عمله ” خليج الغولاغ”.

  • على المستوى العربي : من ابرز كتاب العمل البوليسي المتكامل – غسان كنفاني –كاول سارد نص بوليسي عربي تضمن كافة العناصر في روايته “الشيء الآخر” , والمغربي – ميلودي الحمدوشي- في ” الحوت الاعمى”, والجزائري – بوعلام صنصال- في ” طريق الاوهام”

.اما ذات الايقاع والتي بها بعض العناصرفقط فكتبها: – الطيب صالح- في “موسم الهجرة الى الشمال” , و – نجيب محفوظ – في ” اللص والكلاب” .

  • على المستوى المحلي كتب العمل البوليسي كامل العناصر كل من: – فاطمة العمرو في روايتها ” اغتيال صحافية” , وايضا – عبد الله الوصالي- في  ” بمقدار سمك قدم”, وكذلك – تراي علي المغيزل– في ” عندما تتمرد الاشباح” .

اما الاعمال البوليسية المحلية التي تحتوي على بعض العناصر فمنها : رواية ” حكومة الظل” للدكتور – منذر القباني” , ورواية ” فسوق” للروائي – عبده خال-  , و ” دماء الحقيقة” للواء – عبد العزيز الحازمي-, و ” فتاة القرن”  للروائية – هتون باعظيم- , و ” ابناء ودماء” للاميرة – لمياء بنت ماجد بن سعود- , و ” جرف الخفايا ” للروائي – عبد الحفيظ الشمري-  , و ” زرقة وغموض” للدكتور احمد العسيري.

وفي بنائه الفني وان اعتمد النص البوليسي في قوامه على الدقة والملاحظة والتفكير المنطقي والتحليل الاجرائي , والتكثيف والتلغيز  والاشارة , الا انه يعتمد بالدرجة الاولى على التشويق  فهو الباني لنسيجه والمحرك لشخوصه وباسناد من الاثارة .

فالتشويق كمبدأ جمالي ادبي يحفز التفكير الانساني لخلق بنية نظام فني يحرك وبفاعلية سردية كلا من : اللغة , والاحداث , والافكار, اضافة الى دوره في تشكيل اللغة الفنية ( التقديم والتاخير والتصريح والتلميح .. ) وتحفيز الاستقصاء الاستنباط والاستقراء..,  وهو ما يساعد في استمرار الحكائية بالاعتماد على : الاثارة واللغز , والاخفاء والمفاجأة.

وفي عمومية الخصائص الفنية في السرد البوليسي ما يتمازج ويتداخل مولدا عناصر جزئية تتحول بموجبها الجريمة الاولى الى جرائم اخرى توظف من قبل السارد بالتركيز على عنصري : المحقق والمجرم لاحداث فضاءات اوسع في الحبكة السردية البوليسية.

والجدير بالذكر ان هناك بناءات فنية وخصائص تنشأ وفق المسرود البوليسي كمتغير نوعي وهو ما يتمثل بالتالي:

  • اعمال الالغاز : وتقوم على بنية سردية ثنائية تمثل روايتين , رواية تتضمن قصتين : قصة الجريمة وسرد ما حصل , وقصة البحث الشارحة لكيفية الوصول الى الحل , اما الرواية الثانية فتشمل سلسلتين زمنيتين ممثلة بأزمنة البحث بعد الجريمة واكتمال عناصرها , وازمنة المأساة والمسببات التي قامت عليها .

  • المرويات السوداء : بنيتها الحدث وموازاته للسرد , واصولها امريكية من الثلاثينيات ومن افراز مرحلة الكساد الكبير وانهيار البورصة العالمية تزامنا مع منع الكحول في امريكا , مما راجت معه اعمال التهريب والعصابات المافوية مثل عصابتي  الايطالي ” آل كابوني” والايرلندي باغز.

وهذا النوع ثيمته القتل والفساد العام وظهرت من خلاله ادبيات كثيرة في الادب البوليسي , من اشهرها ” خبر اختطاف” للحائز على جائزة نوبل في الادب 1980م ” غابريلماركيز”.

  • المرويات التاريخية: وركيزتها البنائية الغموض والاحداث الدولية والاغتيالات , وتواجهها 3 اسئلة ملحة مثل : ماالمدة اللازمة لتصبح تاريخية ؟ , وما مقدار المتخيل الموظف جنبا الى جنب مع الحقائق ؟ وهل الشخصيات حقيقية في التخييل المبني على الواقع ؟ .

وكتب كثيرون في ذلك منهم : – اجاثا كريستي –  في ” الموت ياتي في النهاية ”  عن مصر القديمة, وايضا العراق. وكتبت  – لندي ديفز- عن  الرومان باسلوب بوليسي غامض.

ومن العالم العربي كتب – جرجي زيدان – وقارب ذلك الا انه لم يضع حلولا بوليسية لكنه ابدلها باسلوب قصصي مشوق.

  • الاعمال الجاسوسية : ويحكم بناءها متغير مراكز القوى العالمية , وازدهرت من خلال الحرب الباردة باحداث دولية ساخنة ادت الى توترات كبيرة مثل سباق التسلح , وغزو الفضاء , والصراع بين حلفي وارسو , وشمال الاطلسي , وخطف واغتيال العقول الفاعلة كعلماء الذرة , لتظهر اعمال – ايان فلمنغ– وابتكاره لشخصية ” جيمس بوند ” بما عرف بالعميل السري 007.

وعربيا برزت اعمال مقاربة لذلك مثل المصري – صالح مرسي – في عمله الروائي الكبير ” رافت الهجان ” وايضا  ” الحفار ” وتحويلها الى اعمال مرئية مستوحاة من الصراع العربي الاسرائيلي.

وشكلت قصة الجاسوس الموسادي الحقيقية ” كوهين ” والذي تنكر بصفة تاجر واستطاع ان يكون علاقات قريبة من القرار السياسي في سوريا باسم ” كمال ثابت ” وليكتشف امره ويُعدم لاحقا , وشكلت هذه القصة بداية مرويات كثيرة في هذا الجانب.

  • اعمال جرائم القتل المتسلسل : وبناؤها يعتمد على الغرائز المختلة والعنصرية وترجع الى لندن 1888م عندما ضاقت بالمهاجرين الهاربين من روسيا القيصرية , فازدحمت الطرق والمساكن , وتغلغلت الجريمة خاصة السرقة والبغاء , مما اوجد قاتلا حقيقيا عرف ب ( جاك السفاح) , وهو ما الهم العديد من كتاب الادب البوليسي لاعمال اشتهرت وجسدت سينمائيا مثل : ” صمت الحملان ” للكاتب توماس هاريس .

وتتماثل الى درجة كبيرة منابع السرد البوليسي مع السرد العام في المنطلقات الاساسية الثلاث : الفلسفة , وعلم الاجتماع , وعلم النفس .

وتأتي  – الفلسفة –   بأهمية ان يطلع عليها السارد وبكافة ابعادها وبمدارسها المادية والمثالية , والاديان المقارنة والانظمة المشاعية وتطور الانظمة اللاحقة مع مؤثراتها كالاقطاعية والراسمالية والاشتراكية وامتداد الحضارات واسباب ذروتها وانحطاطها , كل ذلك لسعة المدارك وتبلور الفكرة وتشكل الرؤية السردية.

وبذات الاهمية يأتي  – علم الاجتماع – كضرورة لاطلاع السارد على الاثر الديني في ضبط السلوك واهمية نظريات التحولات الاجتماعية من التكافلية الى العضوية , وثقافة الشعوب السائدة منها والفرعية التي تمثل تباينا جزئيا في الغالب لكنه كاف لانبثاق الحدث ومجرياته السردية مع البناء والتفاعل الاجتماعي وفق الدور ومؤثراته مع الاصالة والحداثة ونقاط الجذب والتنافر بينها.

واما  – علم النفس – فدوره كبير في معرفة الدراسات السيكلوجية فيما يتعلق بالاتجاهات والميول والدواخل البشرية وتكون الشخصية بمراحلها العمرية المختلفة وسلوكياتها المصاحبة , وذلك لتناسب الدور والحوار مع الشخصيات المحورية من خلال الحبكة.

والمتابع لسير العمل السردي البوليسي يلاحظ ان هناك مفارقة تلقي بين المقروئية العالية ومن كافة المستويات والشرائح الاجتماعية ومختلف الاعمار وبين الموقف النقدي المهتم بالاجناس الادبية الاخرى ومهمشا اعمال السرد البوليسي.

ويرجع العديد من الباحثين مرد ذلك في العالم العربي الى عدة اسباب من اهمها:-

  • اسباب تقنية, وهو راجع للتاخر النسبي في التعاطي الى عهد قريب مع المنجز العلمي الوضعي في علم المجهريات والانسجة والجينات وان تحسن ذلك بتدرج ملحوظ في الآونة الاخيرة خاصة فيما يتعلق بالنص الشرعي والقانوني.

  • اسباب ادبية منهجية , وهو التهميش النقدي الاكاديمي بعدم ادراج المنتج البوليسي ضمن المتطلبات للاطروحات الادبية في غياب تام لادب الاعتراف.

  • اسباب اجتماعية , وتتمثل في بعض الاعراف والقيم السائدة , كقيم الستر والخوف من الاقتداء والمحاكاة للجرائم ونشوء سلوكيات مغايرة خاصة من النشء , ايضا الاغراق في المثالية وحجب الحقائق التي قد تكون منطلقا لاعمال سردية كبيرة , ويشكل مبدأ الرفض لكل جديد سببا مقنعا خاصة في المجتمعات التضامنية المحافظة , والذي يرتهن بالزمن ومستجداته ومتغيراته العديدة , اذ انه من المعروف ان كثير من الادبيات المترجمة مثلت لدى البعض في السابق هاجسا بولغ في توقع ردود فعله في البدايات, الا انه اصبح الان وفي زمن تكامل العلوم والتقارب الثقافي مألوفا وذا حظوة معرفية في المؤسسات الادبية والثقافية بل ومتناميا وممنهجا على المستوى البحثي العام , وهو ما ينبيء مستقبلا بان النص البوليسي سيأخذ وضعه الطبيعي بين بقية الاجناس الادبية في تشكل الفائدة والابداع والامتاع ولتحقيق معادلة موضوعية بين المنتج ودرجة التلقي وبمقروئية عالية.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *