التقاعد أفكار ورؤى  !!


التقاعد أفكار ورؤى !!



 

 

 إن العزلة بالنسبة للمتقاعد مبكراً من أبرز الآثار النفسية التي يواجهها ، إذ يشعر بعدم قدرته على التكيف مع البيئة الاجتماعية الجديدة ، حيث كان العمل ـ في السابق ـ يساعده على حل كثير من مشكلاته ، إلى جانب الأهمية والمكانة الاجتماعية . كذلك فإن قلة الموارد المادية تجعل المتقاعد يعيش في ظروف حياتية صعبة ، حيث لا يستطيع تحمل تكاليف السكن في بيت مريح ومناسب   أو أن يتغدى بشكل مناسب ، وأن يدفع فواتيره الشهرية بسهولة .

     من ثم فينبغي على المجتمع أن ينظر للمتقاعد مبكراً أن مشكلته ليست في ضرورة توفير المسكن والملبس والمأكل باعتبارها حاجات مادية أساسية ، فضلاً عن الرعاية الطبية ، بل إن سياسات الرعاية للمتقاعدين ينبغي أن تمتد إلى إشراك من له القدرة في البرامج التنموية في المجتمع .

      الحياة مسرح كبير ، كل واحد فيها يمارس أدواراً محددة يكمل بعضها بعضاً ، ولكنها تختلف عن حياة المسرح التمثيلي في أن فصولها لا يعلم نهايتها إلا الله عزَ و جلَ . فلماذا نحن البشر نحدد انتهاء حياة الانسان ؟ . الإجابة هي أننا أصبحنا ننظر لهذا الانسان كنظرتنا للآلات والأجهزة لها تاريخ يحدد عمرها ونهايتها ، فبالتالي أصبحنا نقيس معظم سلوكياتنا على هذا الأساس . فوضع الانسان لنفسه الكثير من النظم والقوانين التي اعتقد أنها تنظم حياته وتسيرها على الوجه الأمثل . إلا أنه خاب في بعضها ، وقد يكون نجح في بعض آخر .

      التقاعد أحد هذه الأنظمة ، حكم فيه على الانسان بتاريخ تنتهي فيه صلاحيته ، فيستبدل بقطعة أخرى جديدة تتواكب مع إيقاع الحياة الجديدة ، وهكذا يأتي من يأتي ، ويرحل من يرحل .

    وماذا بعد ؟؟؟ .. أصبح هذا المدعو ( التقاعد ) شبحاً يخيف الكثيرين ، وصار عاراً قد يجعل بعض الناس ينتهي بالفعل ، ومن ثم أصبح الانسان هو الحكم والقاضي والضحية .. إن مفهوم التقاعد من المفاهيم الحديثة ، التي أخذت بها جميع الدول ، فقد ظهر نتيجة التحول للمجتمع الصناعي .

وعلى الرغم من عدم اتفاق العلماء المختصين على مفهوم واحد للتقاعد ، إلا أنهم اتفقوا على عدة جوانب ترتبط بالتقاعد ، ومنها أن التقاعد يرتبط بالوظيفة أكثر من ارتباطه بالعمل . فالمتقاعد يترك الوظيفة عندما يبلغ سناً معيناً وليس شرطاً أن يكون غير قادر على العمل .

      لذا ، تشير الاحصاءات إلى أن عدد الأشخاص الذين بلغوا 60 سنة فأكثر على مستوى العالم عام 2000 م حوالي 590 مليون شخص ، ويحتمل أن يتزايد هذا العدد ليصل إلى حوالي 980 مليون شخص عام 2020 م . وتشير معظم الدراسات إلى أن رعاية المتقاعدين في الدول العربية تقتصر على توفير معاش شهري للمتقاعدين بنظام التقاعد أو التأمين وايجاد مؤسسات إيوائية .

     من هنا يمكن القول إن التقاعد المبكر غالباً ما يؤدي إلى فتح أبواب عديدة لعمل الشباب وتوظيفهم ، فعلى سبيل المثال ، لو تقاعد في سنة قرابة 1000 موظف ، فإن هذا يعني أن هناك 1000 وظيفة أصبحت متاحة للشباب ، خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس . وفي المقابل فلقد أوضحت نتائج كثير من الدراسات أن التقاعد يؤثر على التوافق الاجتماعي للمسنين ، ما لم يستطيعوا تعويض فقدان العمل بأنشطة متنوعة يمكن أن تساعدهم على قضاء وقت الفراغ وإشباع حاجاتهم وتحقيق ذاتهم .

    ولنا أن نتساءل عن ماهية دور المتقاعدين في البرامج التنموية في المجتمع ؟ وهل يمكن الاستفادة من القدرات والإمكانات العقلية والجسمية للمتقاعد في إنجاز البرامج التنموية ؟

     إن من الأمثلة التي يمكن أن يقوم بها المتقاعد : الأعمال الترفيهية والثقافية والأدبية ، وأعمال تعليمية وتربوية ، وأعمال اقتصادية واجتماعية ، وخدمات نفسية واستشارات مهنية .

      ولذلك فأنا أنادي بأن يتم تيسير عملية التقاعد المبكر وتسهيل إجراءاته وتخفيف متطلباته وتقليص مدته والتحفيز عليه والدعوة إليه ، ذلك أن ظاهرة البطالة أصبحت هماً مقلقاً من هموم مجتمعنا المحلي .

للتواصل : zrommany3@gmail.com

أ . د /  زيد بن محمد الرماني ــ المستشار الاقتصادي وعضو هيئة التدريس

بجامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *