مسيلمة الكريم !


مسيلمة الكريم !



يقال على لسان أم حاتم الطائي : أنه كان لا يرضع من ثديها إلا إذا شاركه الرضاعة طفلٌ آخر .
وفي المقابل يقال : أن عدد السور والآيات التي قام بتأليفها مسيلمة الكذاب أضعاف عدد سور وأيات القرآن الكريم .

الأول قد جعله كرمه الفطري الذي لازمه منذ الولادة مقبولا وممدوحاً لدى الناس فأصبح أسمه مقروناً بالكرم إلى قيام الساعة ، أما الأخير جعله أدعاءه شيئاً لم يملكه ولم يُرزق به يصل إلى مرحلة المبالغة والتبذير في طرح إدعاءته للوصل إلى مرحلة النبوة ، ورغم ذلك لم يلاقي جهده نجاحاً كبير .

مالا يعلمه كرماء عصرنا أن حاتم الطائي لم يصل لهذا المرحلة بالأطعام والسقاية فقط ، بل أن من القصص المشهورة عن هذا الرجل أنه افتدى أحد الأشخاص المأسورين بنفسه وأحل نفسه بالقيد مكانه لأنه لم يكن يملك المال الذي يخلصه من قيد آسريه ” وقد كان حاتمٌ رأس قومه وسيدهم ” رغم أن الرابط بين حاتم والأسير هو معرفة الأسير بحاتم وجهل حاتم به ولم يكن الأسير من قومه .

حسب أعتقادي أن الأقليّة ” الباذخة ” قد غيرت مفهوم الكرم الحقيقي في الآونه الأخيرة ، فأصبحت علاقته طردية مع ما يمتلكه الباذخ في حسابه المصرفي وأدراج خزينته من صكوك أمتلاك ، فكثيراً ما نقع على شخصيات كانت تتمنى التنفس بـ رئة واحدة من البخل المبالغ ، وبعدما أصبح البخيل وريثاً أو تاجراً أو محظوظ ؛ تحول الى ابو الكريمين وأمير المحسنين ، وعلى أن هذه الأرض لم تحمل فوقها من هو أكرم من رسول الله ﷺ الذي كانت النار لا توقد في بيته شهراً وشهرين وربما أكثر ، وهو ﷺ ولكن هذا لم يمنعهم من أبتداع مفهوم آخر ينافي الأسلام ومكارم أخلاق الجاهلية مجتمعه .

لا أعلم ماهي الغاية المنتظرة من كنس النقود ، والغسيل بالعود ، وأشعال ما يعادل غابة كاملة من الحطب ، ورميّ النقود على رؤس أطفال يجهلون قيمتها ، ووضع الموائد التي تكفي للقضاء على مجاعة ؛ إلا البحث عن الإعلام تحت مسمى الكرم والمشيخه و ” حنّا أحسن منكم ” ، ولم نكتسب من كل هذا ” الهياط ” غير السخط العام الذي جمع أولائك المسرفين وناقديهم والفقراء والمعدمين في دائرة واحدة ، وأصبح كل ” سعودي ” أمام العالم يأكل ما يأكلون ويغسل بما يغسلون .

بالنسبة لي أستطيع تحويل فكرتي عن تلك المناظر البشعة التي صدرت من هؤلاء الجاهلين من أنها هياط مبالغ فيه إلى أنها قمة الكرم والإحسان في حال أجتمعوا وقرروا القضاء على الفقر والمجاعات ، فلا يمكن تصور شخصٍ كريم له جارٌ تتضور بطنه جوعاً وينحت جسده الفقر ؛ ولا يمكن منافسة حاتم الطائي بمنهج مسيلمة الكذاب ، فالفطرة غالبة للطبع مهما حاول البخيل التطبّع بالكرم .

وفي النهاية لا أظن الغرامات العامة رادعاً حازماً لمن يمتلك كومة من الأموال وكومة آخرى من الجهل ، بل لو كان عقاب كل شخص يقوم بهذه الأعمال المشينة للأسلام وللوطن هو مصادرة جميع ممتلكاته من أموال وأراضي وغيرها وتوزيعها على فقراء وأيتام المملكة لأصبح الكرم يشار به إلى أهله فقط .

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *