دمعة على الرّصيف !


دمعة على الرّصيف !



كانت تسير بخطى مقيّدة بضيق الثّوب، يتمايل جسدها على حذاء كعبه مثل قرن التّيس . عباءة فرنسية ترفل بها وترفعها قليلا لتبدي تلك الفتحة التي تكشف عن بياض السّاق . تشير إلى الأشياء من حولها بمعصم مثقل بأساور من ذهب . عنق يتلوّى في كل اتجاه،  وعينان واسعتان تغازلان كل بريق . ربما لم يكن في السّوق مثلها، وكأنها تقول لكل النواظر، ها أنذا !. لا بأس أن أنظر إليها لأرى الكبرياء الذي يثقل سطح الأرض . ماذا تفعل ؟ إنها لا تحمل من متاع السوق شيئا غير حقيبة صغيرة تتدلى من كتفها . وفي طريقي للخروج من السوق سمعت صوتا من خلفي : ماما .. ماما !. وقفت المرأة ، ووقفت أنا لأرى . أنها الخادمة جاءت مسرعة وهي تنوء بأثقالها من متاع السوق . كانت تريد أن تقول شيئا، لكن سبقت قدمها لسانها فتعثرت بالرصيف ووقعت على وجهها . كدت أساعدها، لكن سبقتني أل ” ماما ” . لم أتوقع أن تصل الكبرياء إلى هذا الحد المفرط . لا بأس أن أنظر إلى المشهد حين ترحل الرحمة من قلب تلك المرأة وهي تركل الخادمة بطرف الحذاء، وتقول : قومي .. الله لا يبارك فيك ! .

كانت الخادمة تنظر الى أل ” ماما ” بدهشة، وقد اختلط دم وجهها بدموعها .. كادت أن تقول شيئا، لكنها اختارت الصمت. لا بد وأنها تفكر فيما لا تفكر فيه تلك ال ” ماما “. ربما كانت هناك عائلة فقيرة تنتظر منها هذا الفتات، أو زوج دفع بها جشعه إلى هذا المصير، فجاءت تبحث عن السعادة لكل من يطلب منها سعادته . ربما يتنازل الإنسان عن كرامته في بعض الأحيان، ليس من أجل نفسه، بل من أجل أولئك الذين يدفعونه لأن يكون شمعة تحترق من أجلهم، ومن الخير للخادمة أن تتحامل على نفسها وتحمل أثقالها وتسير وراء أل ” ماما ” التي لا تعبأ بدموعها التي تسقط على الرصيف، فنحن في آخر الشهر، وقد يكون في المرتب ما يكفي لنسيان الإهانة . إنها صورة من صور العبودية وعدم احترام كرامة الإنسان، والفرق أن هناك ” مرتّب ” يجعل الإنسان الحر أكثر عبودية من العبيد .

لم تكن تلك الصورة هي الوحيدة فهناك الكثير من الصور حين تكون الخادمات موضة النساء في هذا الزمن الذي جعلنا ندخل في حروب المستويات التي لا معنى لها غير التعالي والكسل المترهل في أجساد بعض النساء اللائي لا يعرفن من النشاط غير الجلوس أمام التسريحة . وكم تكون  ” الزباء ” سعيدة حين تنادي بصوت رخيم : سونيا .. يا سونيا !

إنني لا أفهم لم كل هذا الإصرار على جلب الخادمات وفي البيوت من النساء من في مقدورهن أن يخدمن بلدية . وماذا علينا لو تظافرت جهود بناتنا وأولادنا في خدمة البيت كما كنا في سابق عهدنا . أين هي تلك السواعد ؟ أم أن المناكير وتصفيف الشّعر والمساحيق تتعارض مع أعمال الطبخ والنفخ !.لا بد وأن هنا ثمنا ندفعه، وهناك دموع بلا ثمن .

 

 

 


2 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *