مظلة الاعلام الخادعة


مظلة الاعلام الخادعة



يقول آثر شوبنهاور : [أن الثروة مثل ماء البحر كلما شربت منهما زاد عطشك وكذلك الشهرة ] .

الأنسان بفطرته ميّالٌ إلى التحرر من كل القيود التي تقف عائقاً أمام إرادته وشهواته ، ولولا ذلك لما كان هناك خطوط حمراء وتشريعات وعقاب لكل من يوصله أتّباعهُ لشهواته إلى أفساد الحياة بحريته ، ولذلك فأن الله ﷻ بحكمته قد وضع لكل قيدٍ من قيود الإسلام باباً يكون فرجاً للتحرر من هذا القيد دون إفساد حياة الناس ؛ مثل قيد الزنا الذي شُرّع له الزواج للمستطيع والصوم للعاجز .

أيضاً هنالك قيود أنشأها الأنسان لإدارة شؤون الناس كالقوانين واللوائح والمخالفات ، ثم وضع مقابلها العقاب لردع الأنسان عن ممارسة كافة حرياته إذا كان فيها إضرار لنفسه ولعامة الناس .

وبغض النظر عن المبادئ والأعراف المجتمعية والقبلية التي تعتبر قيود إختيارية ، هنالك بعض القيود التي يقوم الأشخاص برمي أنفسهم فيها دون معرفةٍ مسبقة بعواقبها ، بإعتقادي أن أعظمها بلاءاً هو ” الشهرة ” أو الظهور الأعلامي .

فغالبية الشباب اليوم يتمنى الولوج في عالم الشهرة والأضواء وشاشات التلفاز ، وأن يكون حديث الأعلام والمجالس ، وهناك من يحاول جاهداً وبشتى الطرق الوصول إلى مرحلة النجومية حتى لو كان هذا على حساب دينه ومبادؤه ومعتقداته ، خصوصاً مع إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي التي جعلت من الشهرة أمراً ميسراً لا يتطلب موهبةً ولا عناء ولا حتى واسطة .

الجدير بالذكر أن وسائل التواصل المتعددة هذه قد رسخت في عقولنا قاعدةً لا تقارب الصواب ، وهي أن النجوم والمشاهير منزهين ومعصومين عن الحزن والمشكلات التي تمر في حياتنا كأشخاص عاديين ، ففي حين يخرج ذلك النجم ضاحكاً أو راقصاً أو مستمتعاً بشيء بصورة مستمرة يتبادر بشكلٍ عاجل إلى أذهاننا أن هذه هي حياته كلها ، فلا حزن ولا ضائقة مالية ولا مشاكل أسرية … إلخ ، فيتسلل إلينا إكتئابٌ حاد بسبب عدم إستطاعتنا الوصول إلى الحياة المثالية التي يعيشها هذا الشخص ، وهذا ما أكدته العديد من الاحصائيات ، التى أشارت إلى تزايد نسبة الإكتئاب مع دخول تطبيقي ” أنستقرام ” و ” سناب شات ” .

ربما لا يعلم الغالبية بأن نجمهم الضاحك يعاني في جوانب حياته المظلمة من ضغوطاتٍ وقيود أشد وطأةً من قيود الحديد ، وهذا ما تغطيه تلك المظلة الخادعة التي يبنيها الأعلام في عقول الناس ، فكثيراً ما نسمع عن حالات إنتحار وأدمان المخدرات ونوبات الأكتئاب التي تسببها الضغوطات الزائدة في تلك الأوساط .

فعلى سبيل المثال : مجرد توقف زيادة المتابعين على ” تويتر ” قد يسبب لهذا النجم وساوس بأنه لم يعد مرغوباً به كالسابق ، أو وجود منافس قد أزاحه عن الأضواء ؛ مما قد يدخله في نوبة أكتئابٍ حادة لا يستفيق منها إلا بقدرة الله وحده ، وهذه لوحدها حالةٌ لا يتمنى أي شخص حتى تجربتها ، فبطبيعة الحال فأن نسبة الاكتئاب تتزايد طردياً مع التقييد النفسي .

في كل ما يحيط بك عزيزي القارئ من ضغوطات ومشكلات إعلم أنك أنت الأفضل ، فأنت حرٌ في جميع تصرفاتك ولك كامل الحق في ممارسة جميع هواياتك ، فليس هنالك رقابة تفرض عليك ممارسة شيء لا ترغب فيه ولا ترك شيء ترغبه ، ولا يعتبر وقوعك في خطأ ما ” فضيحة ” يرغب في معرفتها الألوف أو الملايين ، وتأكد أنك كما تحسد نجمك على الأضواء والمعجبين فأنه يحسدك على حريتك وحقك في عمل ما تشاء .

ولا أنكر معرفتي أن للشهرة فوائد وميّزات عديدة ، إلا أنها لا تستحق المجاهدة للوصول إليها ” خصوصاً بتلك السبل التي يصل بها مشاهير اليوم “

ومقابل هذا كل يقول أحد العرب من رواد الأدارة الحديثة [ أن الذين يشتمون الشهرة هم من فشلوا في الحصول عليها ! ] .

أحمد الرجاء .

 


2 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *