جيم جونز العصر الحديث


جيم جونز العصر الحديث



في يوم 18 نوفمبر 1978 في دولة غيانا حدثت أكبر حالة أنتحار جماعي عرفها التاريخ وصل فيها عدد الوفيّات آنذاك الى مايقارب 900 شخص منهم 200 أطفال .

جاءت هذه الحادثة الشنيعة بعد خطاب الزعيم الديني “جيم جونز” ، الذي دعاهم إلى التخلص من قسوة العالم وساكنيه بشرب سم السيانيد ، أما هو فقد أختار لنفسه موتاً عاجلاً عن طريق الانتحار بأطلاق الرصاص على رأسه .

منذ ذلك الحين كل من سمع بتلك المأساة يحتار في أمر أولئك المغفلين الذين أطاعو شخصاً طبقاً للقواعد الأنسانيه يرى مجنوناً بل ربما يتجاوز مرحله الجنون بكثير .

والاّ كيف لـ900 شخص بكافة الاعمار وبدرجات علمية مختلفه أن يضحوا بأنفسهم أتباعاً لشخصٍ واحد دون تدخل خارجي أثّر على عقولهم وجعلهم كالقطعان التى توقع بنفسها من فوق الجبل تبعاً لمن يقودها ؟

قد يذهب ظن الكثير ممن سمع هذه القصه أن “جونز”  قد سيطر على أتباعه بالسحر الذي جعلهم ينقادون نحو هوسه وجنونه دون علمٍ بما يفعلون .

وربما تكون هذه النظرية صحيحه لو كان لدى “جونز” الوقت الكافي للسيطره على كل هذا الكم من الناس .
وأذا صحّ هذا الظن فلما لم يسيطر على ذوي القرار والمناصب والقساوسة الذين طردوه ولم يعيروا أذانهم له حين أدّعى أنه المسيح ثم زاد على هذا وأدّعى أنه الربّ متمثلاً في هيئة بشرية ؟

عند أطّلاعي على حياة هذا الرجل وكيف كانت نشأته وطريقة دعوته لجماعته ، والظروف التى كانت تعيشها أمريكا ذلك الوقت ، توصلت إلى السبب الذي جعل ما يقارب من ألف شخص يتبعونه دون ترددٍ أو تفكير .

في الحقيقة أن السبب هو السحر ؛ لكنه ليس السحر الذي عهدناه وسمعنا به ، أنما هو سحر البيان أو الخطاب والذي وصفه رسولنا الكريم ﷺ في قوله [ أن من البيان لسحرا ] .

بالعوده الى نشأة “جونز” وحياته ؛ فيمكن لأي قارئ لسيرة هذا الشخص الإيقان بأنه كان متحدثاً بارعاً وقارئ نهم ، أضافة أنه يمتلك ما يطلق عليه في وقتنا الحالي “كاريزما جذابه” تجعل كل من يستمع إليه ينبهر بحديثه حتى لو كان خارجاً عن نطاق العقلانيه .

أيضاً كانت أمريكا في ذلك التوقيت في أزهى عصور العنصرية الطبقية والعرقية مما يتعارض مع فطرة الانسان مهما كان دينه وعرقه ومهما كان أنتماؤه الطبقي ، حيث كانت أولى متطلبات الانضمام لجماعته نبذ العنصرية بكافة طرقها والايمان بقيمة ألانسان وحده مهما كان لونه وعرقه وأنتماؤه ، من هنا أصبح “جونز” قائداً مطاعاً ومحدثاً ملهماً للجميع ، وسواءاً كان هذا ‘أعني نبذ العنصرية’ ممكناً في أمريكا ذلك الوقت أو غير ممكن ، ألا أنه مطلب يتماشى مع فطرة الانسان خاصةً والمجتمع على وجه العموم .

وهذا ما جعل أتباعه يرون فيه رجلاً مختلفاً عن غيره من القساوسه أو ربما يكون المسيح بوجهة نظرهم .

ويكفى القول أن أجتماع الاسلوب الخطابي الجذاب والثقافه المكثفه في شخص قد تجعل منه سلاحاً فكرياً يمشي على قدمين .

وبالتالي فهذا ما تحاول التنظيمات الارهابيه والخارجة على القانون والاسلام المعتدل في وقتنا هذا الوصول إليه لجعل الشباب يؤمنون بمعتقداتهم وينساقون إليهم ، عن طريق تفسير الدين المتسامح المعتدل بصورةٍ تخدم هوسهم الدموي ومصالحهم .

من لا يتمنى عودة خلافة أسلاميه تضم كافة المسلمين تحت خليفة واحد وعادل ك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، ودولة قوية لا ينافسها امثالها من الدول ، ومجدٍ وفتوحات يصل صداها الى اقصى الارض ، ومن لا يتمنى الجهاد والشهادة في سبيل الله بأحد هذه الفتوحات والغنيمة بالجنة ؟

من هذا الباب يكون مدخل هؤلاء الخوارج لفتنة شبابٍ متحمسٍ يتمنى أن يكون خادماً لدينه في الدنيا وغانماً للجنة في الاخره ؛ عن طريق تفسير الايات الكريمه بصورة بعيدة كل البعد عن تفسيرها الحقيقي ، واستخدام الاحاديث الصحيحه والضعيفه وتمييّعها بطريقة تجعل المستمع أو القارئ يظن أن الرسول ﷺ قد أوصى لهم قيادة لواء المسلمين والانضمام معهم .

بأعتقادي أنهم مع أختلاف الزمن والمنهج والطريقة ، قد أتخذوا أسلوب صديقنا “جونز” للأطاحة بثمرة أمتنا الغافلة ، وكل هذا يحصل في ظل أعلام غافل عن هذا المخطط وهذه الطرق ، مشغولٌ في موضة ملابس شتاء هذا العام .

ربما لا نكون بحاجة “جيم جونز” تابع لنا ومضاد للفكر الضال ، بل نحن بحاجة فضح مخططهم وأسلوبهم الخبيث في الوصول الينا كشباب ؛ فهذا بحد ذاته كافٍ لدحرهم .

بقلم / أحمد الرجاء    تيماء


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *