أنا والبحر !


أنا والبحر !



أنا والبحر !
غدار أعرفك يا بحر .. ضحكة أمواجك تسل سيوف .. تطعن في الظهر !
هكذا كان يشدو ” محروس الهاجري ” .. وفي ذلك الوقت لم أكن أعرف البحر على حقيقته .. فأنا صحراوي المنبت . كنت فقط أسمع بالبحر وأرى صورته على ورقه أو على شاشة التلفزيون غير الملون .. كان حلمي أن أرى ذلك الهائج المائج ، أن أرى السمك والحيتان .. أن أرى السفن وهي تمخر عبابه . فهل يتحقق الحلم ؟
أغدا ألقاك ؟.. يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد !
وفي أحد الأيام أهلّت فرحة القرب به حين استجاب والدي واشترى لي سيارة ” هايلوكس ” فامتطيت صهوتها إلى تلك
” القرية التي هي : حاضنة البحر ” ومعذرة إلى الأديبة الرائعة ” قسمة العمراني ” وكذلك إلى الشاعر السوداني ” الهادي أحمد ” . كانت رحلتي طويلة وكأنما أريد أن أبلغ مطلع الشمس . وأذكر أنني تعرضت لثلاث محاولات انقلاب باءت بالفشل . لقد تركت ” الهاجري ” خلف ظهري غير آبه بما يصف به البحر ( غدار ) وتقمصت شخصية السندباد .. واستبدلت صوت الهاجري بصوت محمد عبده ” يا مركب الهند ” . وحين تراءى لي البحر أدهشني منظره، وعلى شاطئه حططت رحالي . كان ذلك قبل مغيب الشمس، ولساعة الغروب على البحر سحر .. ويزداد هذا السحر حين يجتمع الليل والقمر والبحر .. ربما لا يحتاج شخص عاشق مثلي إلى طعام .. تكفيني جبنة ” كرفت ” لكي أمارس هواية تأمل الجمال من حولي . كنت وحدي حيث لا أحد حولي .. إخترت مكانا قصيّا .. لا أريد لصوت أن يعلو على صوت البحر .. كنت صامتا وكأنني أستمع إلى حديث البحر .
كاد البحر أن ينسيني سيرتي الأولى، لكنني وفي هدأة منه، تذكرت تلك المشاحي البعيدة، وتلك الدروب الطويلة، وحين يلتقي الظعن بالظعن على مفترق طرق ” يسأل الأين .. أيان التلاقي ” .. هناك وخلف أسوار الزمن تغيب الذكريات . لكنها في تلك الليلة قد حضرت وبكل قوة، وكأنها غارت من البحر وأمواجه .. كأنها تذكرني بقول القائل ” وما الحب إلا للحبيب الأول ” .
في تلك الليلة تداخلت في خيالي موسيقى الصحراء وموسيقى البحر .. ومن سوء حظي أنني لم أجد ورقة لكي أسجل فيها انطباعاتي، فكتبت على ورق الفاين كل ما أوحاه لي خيالي تحت عنوان ” أنا والبحر ” .. لقد كانت مقطوعة أدبية رائعة أجدني اليوم عاجزا أن أكتبها من جديد .. وكان أملي أن أنسخها على ورق في اليوم التالي لكنها ابتلت – وهي في جيبي – بماء البحر فذابت كلماتها !
كانت ” حقل ” في تلك الفترة قرية هادئة حالمة وهي كما قالت عنها قسمة العمراني ” تمنحك الحبّ عنوة ” .. لقد أحببتها لأني وجدت سماتي فيها، كأنما هي أنا .. شعرت بتواضعها وأنها لم تتكبر عليّ .
والآن، وفي هذه الليلة، وبعد سنين طويلة من العشق، وفي ذات المكان الذي شهد أول لقاء لي مع البحر .. ها أنذا أجلس على شاطئه .. لست وحدي، فأنا في معيّة جمهرة من العاشقين للبحر .. إنهم أولادي الذين لم يشهدوا ذلك اللقاء القديم .
هنا أجلس كئيبا حزينا، أنتظر الفرصة التي أفر منها من البحر وأمواجه . لم تعد تلك الزرقة تدهشني .. ما عاد صوت الموج يطربني ولا صوت اللقالق .. لقد تغيرت ” العذراء ” ولم تعد حاضنة العاشقين .
معذرة يا ” حقل ” !.. لقد اكتشفوك أخيرا وقالوا عنك ” المدينة الصحيّة ” .. لقد كنت أكثر صحة وجمالا حتى وأنت تسكنين بطن ذلك الوادي . كم أنا مشتاق إلى تلك الصورة الجميلة حين أطل عليك من بعيد .. كنت أشعر بأنك تناديني كطفل يهوى الأحضان . لا عليك ، فلك في قلوب العاشقين صورة وذكرى جميلة .
أيها البحر ! .. لا بد وأنك تذكرنا حين كنا نأتيك ونحط متاعنا على رمالك، وأنت تؤنسنا بصوتك الشجي ونحن نحكي على شاطئك أجمل الذكريات المعطرة بنسيم الليل العليل .. لم نتعب .. لم نشق .. ونحن نبحث عن مكان نأوي إليه على شاطئك .. ذلك القلب المفتوح بدون ثمن . آآه يا بحر ! .. لقد استوطن على شاطئك الجشع الذي لم يعرفه في سالف دهره ، ونبتت عليه أبنية لا أظنها تخضع لضمير .. هنا يا بحر ، وبين شاليهاتك .. أسألك عن البلدية والصحة وكل أصحاب المسئولية . لا بد وأنك مثلي تهدر، ويذهب صوتك مع الريح، وتتكسر أحلامي كما تتكسر أمواجك على صخور شاطئك .
معذرة يا ” حقل ” فلك ولأهلك الكرام كل الحب والتقدير
وداعا أيها البحر !


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *