كبار السن من على “عدوة القاف” … حنين وحكايا تروى عن ماضي قرية العميّر


كبار السن من على “عدوة القاف” … حنين وحكايا تروى عن ماضي قرية العميّر



عين تبوك / عبدالرحمن الفايدي _ أملج

 

قاد الحنين بعض من ابناء قرية القرص شمال محافظة املج الى اقامة لقاء يجمع كبار السن ممن عاصروا حياة الأولين في القرية القديمة ،قرية “العميّر” التي رحل عنها ساكنوها فمنهم من قضى نحبه ومنهم من اختار الانتقال الى البلدة المجاورة او القرى الاخرى بحثاً عن حياة افضل .

اللقاء والسمر على “عدوة القاف” :
بداية استحضر المجتمعون تاريخ القرية القديمة من على تله من الكثبان الرملية تقع وسط القرية تسمى بـ” عدوة القاف” وهي بمثابة ميداناً او مركز يجتمع فيه الرجال بعد يوماً طويل وشاق يتناولون فيه اطراف الحديث عن اخبار الدنيا واحوال الناس ويتسامرون مساءاً في اليالي المقمرة مع نسمات الوادي العليلة القادمة من الشرق على الحان ” القاف ” وهو لون شعبي معروف لدى اهالي القرية والمناطق المجاورة، عبارة عن ابيات يتغنى بها من يملك عذوبة الصوت بينهم ويردد بعده الجميع الابيات والتي اخذت منه تلك التله هذه التسميه ، ومن الابيات المشهورة والمتداولة للون القاف :

سلام يالديره اللي لي ثمان سنين ماجيك
واليوم مرت بي الطرقه وابا ارد السلامي!!
قالت لي الديرة انا طيبة والله يعافيك
مافاقدة غير وبل الغيث ونزول الجهامي
قلت اصبري هالسنة والدايره مالله مخليك
اما من الصيف والا من معاقيب الوسامي…

المجتمع القروى إخاء والفة رغم ظروف الحياة :
اما عن حياة اهل القرية قديماً حدثنا العم رشيد بن حميد الفايدي ،كيف كان يعيش الناس في جيرة وإخاء متحابين تجمعهم البساطة والألفة والطمأنينة ،رغم مصاعب الحياة وقلة الحيلة في ذاك الزمان، مضيفاً ان عديد من القصص والحكايا دارت هنا والتي تضرب اروع المُثل في الوفاء والحب والشجاعة والصبر ، قبل ان يرحل الجميع من هذه القرية التي نقف على اطلالها اليوم ،حيث كانت مأهوله تعمر بالسكان منذ اواخر القرن الثاني عشر حتى اوائل الثمانينات الهجرية من القرن الماضي ،تتجاور نُزل ساكنيها المصنوعة من سعف النخيل “الجريد” او العشاش والتي بالكاد تقي من لهيب حر شمس الصيف وقساوة برد الشتاء .

مشيراً الى ان غالبية سكان هذه القرية كانوا يمتهنون البحر للبحث عن القواقع البحرية والمحار ( النهيد_والصداف ) بالاضافة للغوص لأستخراج مايعرف بـ ( اليسر) من اعماق البحار والابحار به بالسفن ( السنابيك ، السواعي ) الى موانئ اخرى بقصد بيع ما حصلوا عليه من رحلات الغوص هذه في الاسواق والمونئ الاخرى مثل فلسطين والسويس والعقبة وبور سودان وبر عجم واليمن ) والعمل بها ايضاً، وعادة ما تصل مدة هذه الرحلة الى اشهر وربما سنوات بحثاً عن لقمة العيش ..

واضاف العم احمد بن حمد ان للأهالي بعد هذا العناء والشقاء جوانب لترفية والراحة فهناك الوان فلكلورية بالاضافة الى لون القاف كان يقدمونها مثال :
لون البيشامة والرفيحي والزريبي والمقطوف

الطفولة .. صفحة بيضاء وفنون فيها الصفاء والمتعة :
لا بد لنا ان نقف على بعض التفاصيل الجميلة لحياة الصغار في القرية والالعاب الشعبية القديمة التي كانوا يمارسونها اناذاك كـ ( المعكارة )و يشاركهم في لعبها الكبار ، ولعبة (المضيمضاح) و (عصفر قوم انقر ) و( الطرطاعة) التي كانت من قنو النخيل تقسم الى قسمين تصدر صوت طرطعة يلعب بها الاطفال ولعبة ( السرتاح ) هي عبارة عن عصاء من “جريد” النخيل تقص وتبرى اطرافها ثم ترمى بقوة على ارض منبسطة لتبتعد اكبر مسافة ممكنه.

كما تفرض ظروف المعيشة الصعبة والقاسية على الرجال تلك الايام عدم اهتمامهم بنوع و جودة ما يرتدون من لباس ،والذي افاد الاستاذ حسن جابر انه سابقاً لا يوجد سوى ” المئزر ” وهو رداء ابيض يلف على اسفل الجسم ، و ” المرودن ” والمرودن ثوب لا يلبسة الا ميسوري الحال من اهالي القرية في الافراح والاعياد وبعض المناسبات.

التعليم ضرورة لحياة افضل :
وبسؤالنا عن دخول التعليم للقرية فيقول العم عودة محمد عيد، ان اول مدرسة تم انشاؤها هنا هي ” مدرسة القرص والعميّر ” عام ١٣٨٠هـ ، ثم تمـ نقلها بعد سنوات الى قرية القرص التي تبعد نحو ٧ كم من هنا ، مما اداء الى انتقال اهالي القرية والسكن بالقرب المدرسة لضمان تعليم ابنائهم ، والذي يعتبر من اهم الاسباب التي ادت الى هجرة اهالي قرية العميّر والانتقال الى القرى الاخرى ، حيث لم يكن يوجد اي وسيلة للمواصلات سوى سيارة هي الوحيدة تأتي من البلدة المجاورة يملكها العم محمود حامد ابو بكر والذي كان يتنقل بالأجرة بين القرى والبوادي و اسواق البلدة التي يعمل بها بعض سكان القرية عند عدد من التجار مقابل تأمين قوت يومه فقط ..

المرأة اللبنة الاساسية في بناء المجتمع :
للنساء “شقائق الرجال” حضور في تاريخ القرية حيث توجهنا الى العمة (فضّية الجهني) في قرية القرص التي اوضحت ان للنساء دور عظيم في حياة اهل قرية العميّر لا يقل اهمية عن دور الرجال فيها بما يقع على كاهل النساء من مسؤوليات جسام بداية من توليهن مهام بناء النُزل وصناعة بعض الاواني والاغراض من جلود الماعز عن طريق دبغها والتي تستخدم في حفظ الماء والحليب كالقرب و الصميل والمحمل الذي يحمل فيه المواليد الرضع ، بعدها الاعتناء بشؤون الأسرة وتربية الأبناء وتأمين الغذاء اللازم لأفراد الاسرة في ظل غياب الاباء والازواج في رحلات الغوص والترحال عبر البحار، فتتكبد النسوة في الماضي وبشكل يومي قطع مسافات طويلة على الاقدام تصل من ٤ الى ٥ كم ذهاباً واياباً الى منطقة مزارع ” سمنة” الواقعة شرقي القرية لجلب الماء والحطب على اكتافهن مع شئ مما يلتقطنه من ثمار النخيل المتساقط ليسد رمغ أطفالهن المترقبين على ابواب الدور ينتظرون بلهفة وشوق قدوم الامهات بالماء والثمار من “اللقط ” بعد هذا لا يمكن ان تذهب للأسترخاء الا بعد ان تصنع ما تجده من طعام لأطفالها لتسكت به افواههم الجياع، اما حينما ياتي الرجال محملين بالخيرات والارزاق تملئ الحياة الحي وارجاء القرية فتقوم النساء بأعداد انوع من الاطباق التقليدية المعروفة بالمنطقة التي يدعى عليها القريب والبعيد ، مثل طبق ( العصيدة من الدخن او القمح ، والعبود ( قرص الجمر ) والبزينة ( المرقوق) والربيصة طبق بحري، واعداد القواقع البحرية مثل ( البُصر والصرمباق والنهيد ) .

من جانبه تتزين النساء بما يناسبهن من ازياء والبسة منتوعة تُجلب من اسواق المدينة ، كـلباس (اللبجوخ) وهو نوع من القماش الاسود الساتر و ( ابو صقله ) وهي ملايه او غطاء له اطراف تسمى الكثلة و ( ابو ساعة وخط الرياض ) والمطابق .

واردفت العمة فضية قائلة كان للنساء القرية طقوسهن الخاصة في صنعن المتعة والترفية وذلك للترويح عن انفسهن في حياة مليئة بالجهد والشقاء بأداء بعض الالعاب الفلوكلورية والشعبية في المناسبات والافراح واوقات الفراغ ،مثل :
الرجيعي و التدارية التي تلعب للحاج ليلة عشره من ذي الحجة
ومنها يقال يقصد بها الحاج :
درهي يادمرهاتي
ودرهن واستغينن بالله
درهت لك يا فلان ( اي الحاج)
امك الرضية
قايمه وقاعدة كنها القمرية ،

حتى ياتي الحاج ويقام له لعبة السرارة الذي يقال فيها :
مرحبابكم يارفاقة وحيابكم ،
ريحة الهيل جتنا مع اطيابكم
وابشري ياسرارة براعيك جاء،
وامس حجاج واليوم سوقه منى..
ومن الالعاب الشعبية ايضا التي تؤديها النساء لعبة العيد في عيد الفطر او عيد الاضحى ،فيقال فيها :

مرحبابك ياهلال العيد
الي تجينا كل حوليه
كل مكتسي جديد
حتى الصغير له على قده ..

للأبناء فرصة لتأمل حياة الماضي :
لا يمكن للقاء وحيد او اسطر بسيطة ان تختزل تاريخ منطقة ما او تحوي وبشمول تفاصيل ماضيها الجميلة، مع ذلك ابدى كل من عبدالله سويلم و عبدالعزيز الجهني و احمد سلمان الجهني وياسر سلمان ونايف رشيد اعجابهم واشادتهم بتوثيق مثل هذه الاجتماعات او اللقاءات وتمنيهم تكرارها بشكل دوري لـ تربط الحاضر بالماضي وتعرف الأبناء بطرق عيش اسلافهم واستدراك ماهم فيه الان من نعم جمى في ظل هذا الوطن الغالي وتحت قيادته الرشيدة ..


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *