الكشك


الكشك



 

 

عاتبني أحد الأصدقاء بأنه لا يجوز أن تعاب قطر على صغر مساحتها  ، وأنه لا يجب الخلط بين تميم كأمير لقطر يمارس سياسية خاطئة ومطلوب تصحيح مساره ، وبين قطر. كدولة لا يعيبها صغر مساحتها . مؤكدا أن بريطانيا حكمت العالم مع ان مساحتها لاتقارن بكثيرمن الدول .
وهو محق في ذلك خاصة أنني أعد هذا الصديق ضمن الفئة النخبوية فكريا .
إلا أنني أضيف بأن ذلك  الكشك البريطاني كان يقوده ساسة من ضمنهم مارغريت تاتشر التي توصف : بأنها المرأة التي لو تعطل نصف دماغها تبقى من أذكياء العالم  ، إذن  فلا مجال للمقارنة هنا على الإطلاق .
ما سبق هو مقدمة للمقال الذي  ترددت كثيرا قبل خوض غماره لعدة اعتبارات أهمها النصيحة الذهبية : لزوم الصمت في حال الفتن .
إلا أنها قطر  …. وما ادراك ما قطر  !
ولنبدأ الحكاية من آخرها وتحديدا عند أكذوبة إختراق وكالة الأنباء القطرية ، وهنا لابد من الإشارة العادلة  بأنه يحدث دائما في الأعراف والتقاليد الدبلوماسية تراجع الدول عن تصريحاتها حتى بعد توثيقها عبر القنوات الرسمية ، لأسباب مختلفة ،  أغلبها يدور حول مصالح تلك الدول التي سوف تتأثر سلبا بسبب تلك التصريحات ؛ فيعمد ساستها إلى تعديل أو نفي تلك التصريحات. وغالبا يأتي النفي عبر العبارة الشهيرة (( التصريح خرج عن سياقه )) . وبما أن هذا النفي أو التعديل يقبل في الغالب ، فمن المنطقي والبديهي أن نقبل نفي الدولة لتصريحات منسوبة لرئيسها تم اختراق أجهزتها الرسمية . فما بالك إذا كانت هذه الدولة عضو أصيل في الجسد الخليجي !
إلا أنه في الحالة القطرية بالذات لا يستطيع عقلي قبول عذر ذلك الاختراق .
فرغم اني املك حس إنساني ادعي أنه مرهف ، ورغم كوني عربيا وقبل ذلك خليجيا ، فإن عقلي البسيط يأبى أن يتقبل فكرة اختراق وكالة الأنباء القطرية على هذا النحو الغريب تقنيا . وحتى لو تجاوزت ذلك الرفض ، وحاولت أن اقنع نفسي ، وأحسن النية ، وأقدر كل ذلك الكم الهائل من عمق الارتباط الخليجي بقطر على كل الأصعدة . إلا أنني اصطدم بادعاء اختراق آخر في التليفزيون الرسمي القطري ، وادعاء آخر باختراق وزارة الخارجية القطرية ، وادعاءات كثر لاختراقات في عدة قنوات رسمية سياسية واعلامية قطرية باللغتين العربية والإنجليزية تتضمن نفس المحتوى .
متسائلا لو أن هذا ( الاختراق) حدث لدولة أخرى ولنقل الكويت مثلا ، ترى هل ستحدث كل هذه التداعيات … اجزم بأن الاجابة ستكون بالنفي .
ولكنها قطر …. وما ادراك ما قطر .
قطر …. تلك الدولة التي رغم صغر مساحتها إلا أنها أصبحت قوة ذات تأثير إقليمي مزعج لجيرانها  ، ويعود ذلك التأثير لثلاثة عوامل هامة نذكرها هنا باختصار:
هذه الدولة ( الكشك ) تملك ذراع إعلامي مؤثر جدا في المنطقة والعالم يتمثل في قناة الجزيرة ، التي أصبح لها جماهيرية غير مسبوقة عربيا خاصة في العشر سنوات الأولى.
ايضا لقطر ذراع مالي  يتمثل في الغاز والنفط ، جعل منها دولة تسبح في الأموال .
اما الذراع الثالث فهي قاعدة عيديد الأمريكية والتي تتفاخر قطر بوجودها ، متخذة منها قوة ردع  اقليمي كما تظن.
هذه الاذرع الثلاث اسقطت قطر في فخ الغرور، وجعلتها تتوهم الريادة في العالم العربي ، فانطلقت سريعا نحو محاولة السيطرة والتمكن دون حساب لعواقب هذا الوهم ، فعاثت فسادا في الدول العربية بداية من القاهرة مرورا بطرابلس ثم صنعاء ودمشق .
قطر تلك الدولة التي دأبت على الجمع بين المتناقضات . تدعم حماس ثم تفتح مكتبا للعلاقات التجارية مع إسرائيل ، تنادي عبر أبواقها للسلام وتنسج خيوط الخيانة للإطاحة بالأصدقاء ، تثمن عاليا دور الأخوة والدم الواحد  فتدعم الإرهاب في البحرين ، تنادي باستقلال القرار العربي وتحتضن أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة ، تدعم بالسلاح والمال الحرب ضد النظام السوري وتصف إيران بصديق المنطقة . تشارك في عاصفة الحزم وتدعم الحوثي .
ولكنها قطر  … وما ادراك ما قطر !
قطر …  تلك الدولة التي لا يتجاوز عمرها عمر من في جيلي ، تأبى إلا أن تغرد خارج السرب الخليجي والعربي دوما .
تمادت كثيرا حتى وصل بها هذا الوهم للتطاول على مقام السعودية وبقية جيرانها ، فأخذت  تمارس انتهاكات جسيمة تضر بالأمن الوطني السعودي والخليجي ، كالتحريض  للخروج على الدولة، ودعم المنظمات الإرهابية كداعش والقاعدة وجماعة الإخوان المسلمين ، والترويج بشكل دائم لأدبيات ومناهج تلك المنظمات عبر وسائل الإعلام القطرية  ، ناهيك عن الدعم والمساندة لجماعة الحوثي ، مرورا بدعم النشاطات الإرهابية في شرق المملكة . متناسية بذلك وعن عمد كل العهود والمواثيق التي أقامتها سابقا مع دول الخليج والتي كان آخرها تعهدها في الرياض بتنفيذ الاتفاقية الأمنية الخليجية التي تنص على امتناع جميع الأعضاء عن التدخل بالشؤون الداخلية للدول . ثم جاءت الطامة عبر تلك التصريحات التي اطلقها تميم ( رغم دعوى الاختراق ) لتكشف للجميع مدى الحقد الذي تعاني منه قطر منذ بداية مراهقتها السياسية ، ولعل القمم الثلاث التي عقدت في الرياض مؤخرا  هي من عجل بخروج تلك التصريحات ،  فكان لزاما على المملكة العربية السعودية ان تنفض عنها غبار المجاملات السياسية ، وتتخذ مع بقية جيرانها وأصدقائها هذا الموقف الحازم  الذي وضع قطر في اسوأ حال لها منذ تأسيسها في السبعينات من القرن الماضي .
وعند محاولة خروج هذا الفرخ الصغير من الازمة التي وضع نفسه فيها ارتكب حماقات كبرى وصفها وزير الخارجية الإماراتية بالفصل المأساوي الجديد ، فاستعان  بدولتين غير عربيتين ، الأولى إيران الفارسية صاحبة اليد الطولى في محاربة كل ماهو عربي وسني تحديدا ، ولا يخفى على اهلنا في قطر عظم شر هذا الشيطان الأكبر الذي تجلى واضحاً في العديد من الممارسات الإيرانية التي لا تراعي حرمة للدين أو الجوار أو الأخلاق أو حتى الأعراف الدبلوماسية . والثانية تركيا واردوغانها المسكون بهاجس النزعة الاستبدادية ، صاحب نظرية ” العثمانيون الجدد ” والذي يتناسى تميم عن عمد طموحه العثماني الواضح  في الوطن العربي ، وأمل أردوغان في إعادة تلك الأمجاد ، خاصة بعد فشله الذريع في الإنضمام للإتحاد الأوروبي.
ولكنها قطر  ….. وما ادراك ما قطر !

وختاما  … اعطي الحق لنفسي في أن أقول لصناع السياسة في قطر :

هذه هي السعودية أيتها الجارة قطر … السعودية التي دأبت دبلوماسية / الحمدين / قبل تميم على تسميتها دوما بالشقيقة الكبرى ، فكان لزاما على هذه الشقيقة الكبرى ان تمارس دورها التربوي ، وتعيد الشقيقة الصغرى الى جادة الصواب ، مراعية كافة حقوق الشعب القطري الذي يعد امتدادا طبيعيا واصيلا للشعب السعودي .


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *