ليالي دمج ( 3 )


ليالي دمج ( 3 )




الطريق إلى أرض الميعاد ” رحيّب ” !
تحت ظل شجرة زيتون كان يجلس متكئا إلى شداد بعيره مستقبلا تلك الجهة التي قدم منها وينظر إلى الطّريق التي انتهت به إلى هنا بين جنان الأرض في ظل ظليل وماء سلسبيل . لكن ذلك الجمال لم يكبح جماح فكره السّارح دوما إلى البعيد، وكان يكثر من قوله : يا عمار يا رحيّب ! .. ليتني في رحيّب !. وكان والدي يبتسم ضاحكا من قوله، فهو – أي والدي – يعرف تلك البقعة القصيّة التي خرج منها ناجعا ذات صيف، ويعرف الفرق بينها وبين ما نحن فيه . كنت صغيرا ولم أكن أعرف ” الحرّة ” .. وكنت أظن أن رحيّب – التي تستحق كل هذا الوجد والحنين – أجمل من فلسطين !
ما زلت أذكر صورة ذلك الرجل حين هبط علينا يقود بعيرا على ظهره عدلين فارغتين وقربة ماء .. وقد كانت فرحة والدي به عظيمة حتى يكاد يلتصق به شوقا وهو ينشده عن الدّيار والأهل والأحباب، فالرّجل رفيق طفولته وشبابه . ومن خلال حديثهما الطويل في ساعات التعاليل، عرفت أني لست وحدي وأن هناك أقارب وعشيرة، وكم تمنيت أن يمكث الرجل عندنا طويلا، لكنه بعد حين رحل على بعيره وتوارى خلف التلال، وكلّه شوق إلى تلك الدّيار البعيدة . لم تستطع فلسطين بكل ما أوتيت من جمال أن تغريه أو تغري بعيره للبقاء وتجعله ينسى ما دون ” رحيّب ” وما وراءه .
لقد أحدث مجيء ذلك الرجل ثورة من الشّوق في نفسي ونفس والدي، وكانت والدتي أشدّنا شوقا للعودة إلى تلك المواطن العزيزة . كنت أحسّ من خلال أحاديث والدي أنّه غير مرتاح لوجودنا في الغربة، ويجسّد إحساسه بالاغتراب من خلال ترانيمه الحزينة على الرّبابة . لذلك لم يطل بنا المقام بعد رحيل الرجل الذي قرع في أذن والدي أجراس العودة . ففي إحدى اللّيالي عزم والدي على شدّ الرّحال، ومع بزوغ الفجر أدنيت الرّواحل، فجاء الجيران مودّعين بدموع الفراق ، وكان من بين المودّعين الرّجل النّصراني الذي يعمل والدي عنده . لقد كان رجلا عربيّا شهما كريما، وكان لا تحلو له التّعليلة إلّا عند والدي، مع أنّ والدي يعمل أجيرا عنده ، لكنّه كان متواضعا ويعرف قيمة الرجال ، وكان يصطحبني معه إلى السّوق على عربة يجرّها بغل ، وقد رأيته وهو يضع في يد والدي ” صرّة ” ثم جاءت زوجته بجراب زبيب، وجراب تين مجفّف، وجالون زيت وعلبة ” دبس ” . وحين هممنا بالمسير جاء ” جون ” ابن الرّجل النّصراني ومسك بخطام البعير وقال لي : إلى أين ؟ فقلت : إلى رحيّب . فقال متعجّبا : يعني أحسن من هون ؟! . فقلت له : لا أدري يا جون !
كانت الرّحلة بالنسبة لي شاقة وطويلة، ولم تكن متواصلة، بل كانت عبارة عن محطّات تدنينا على هون من غايتنا . وحين تلوح في الأفق جبال أو تلال أقول في نفسي لعلّ ” رحيب ” تقبع خلفها .وكلّما تقدّمنا في المسير تغيّرت عليّ معالم الأرض، وكأننا نترك الحياة خلفنا، فمشينا في طريق مقفر، وبدأت أشعر أننا نسير في التّيه، وكنت أنظر إلى والدي ووالدتي بإشفاق، فهما يتحملان العبء الأكبر في هذه الرّحلة الشّاقة، لكن خبرتهما الطويلة في الترحال ودروب الحياة تجعلهما أكثر صبرا مني . وفي أحد المنازل هبّت علينا ريح عاصف فاقتلعت البيت من أوتاده، ووجدت نفسي في العراء ولأول مرّة آكل طعاما ممزوجا بالرّمل .. يا لها من حياة !
وحين هدأت العاصفة واتّضحت الرؤيا، تركت والديّ يعيدان البيت على عمده، وصعدت من ضيق في نفسي إلى رأس تلّ قريب ونظرت خلفي إلى البعيد، فصرخت في سكون المكان من حولي : يا عمار يا فلسطين !. صوت لم يتجاوز مداه ذلك السّراب والقاع المقفر . هل أعود أدراجي فرارا من الرّمضاء والغبراء ؟ . لكن كيف ؟ وقد بعدت الشّقة وأنا اليوم أقرب إلى رحيّب وقد بعدت عني فلسطين .
كل تلك المشقّة وأنا لم أصل بعد إلى أرض الميعاد ” رحيّب ” . والعجيب أن والدي ووالدتي يبتسمان، وكأنّ شيئا لم يكن لقد تغيّرت معالمي، وصبغني لهيب الشّمس بصبغة إنسان الصحراء، وكنت أسأل والدي في كل منزل إن كانت ” رحيب ” قريبة، فيرد بجواب يقرّب أمل الوصول في نفسي ويقول : ورا الطّويلة ذيك، أو ورا الأطاول تلك ! وإذا بها أطاول تتلوها أطاول من البعد حتى كرهت ذكر الأطاول . وفي أحد المنازل أشرفت أمّي وأخذت تجول ببصرها ما بين مطلع الشّمس ومغربها، وكأنّها تقيس أبعاد المسافات وقرب الأمل، وكنت أسفل منها وكنت أسألها إن كانت ترى ” رحيب “، غير أني أدركت من خلال حديثها أنّ لها في ذلك المكان أثرا قديما، وقد عادت بها الخطى إلى حيث المنازل والذّكريات . وفي كل منزلة كانت فلسطين حاضرة في ذاكرتي .. لكن شوق أبي وأمي في العودة يدفعانني لأن أنسى . ولعلّ إشراقة البسمة على محيّا والدتي يشعرني بشيء من السّعادة، وأننا في طريقنا إلى ما هو أجمل من فلسطين . كانت أمّي سعيدة ونحن نقترب من خط نهاية المشوار . وحين تبدّت لنا تبوك على حين غفلة ، مدّت أمي يدا الشّوق وكأنها تريد أن تحتضن المكان وأشارت قائلة : هاذيك تبوك !. وماذا تعني لي تبوك ؟ إنني أريد “رحيّب ” التي أخرجني وجدها من أرض فلسطين . فكانت تبوك محطتنا الأخيرة، حيث نزلنا بها، وفيها توفي والدي وأنقطع أملي – إلى حين – في الوصول إلى أرض الميعاد ” رحيب ” .
في فلسطين كنت أحسّ بالغربة حين كان بعض الأولاد ينادونني ويقولون : يا بدوي ! وفي تبوك وجدت نفسي في ذات الغربة حيث الأولاد ينادونني : يا فلسطيني !. والغريب أن أحدهم كان جارا لنا في فلسطين، وأذكر أنّه حين بلغ الفطام كانت أمّه ترضعه من بقرة النّصراني الذي يعمل والده ووالدي عنده .. لكنّه سبقني بالعودة، لذلك أصبحت في نظره فلسطينيا !. ليس ذنبي أن ولدتني أمّي هناك في فلسطين وهي تبحث هي ووالدي عن لقمة عيش ممزوجة بمرارة الغربة .
وبعد سنين وجدّت نفسي ذات يوم في لقاء مع ” رحيّب “( لقاء الغرباء ) فأنا لا أعرفها وهي لا تعرفني، فقلت في نفسي : أهذه هي رحيّب ؟!. لا بدّ وأن أقصد أعلى قمّة في الحرّة .. تلك القمّة التي تشعرني بعلو الهمّة . هناك جلست وأخذت أرقب المكان من حولي، فهبّت نسمة عليلة كتلك التي كنت أحسّ ببردها في فلسطين .. فهزّني الشّوق ، وتذكّرت تلك الأيام الخوالي .. تذكّرت ذلك الرّجل وهو يقول : يا عمار يا رحيّب !…وأنا اليوم في رحيّب .. تذكّرت والدي وما كان يكابده من عناء .. تذكّرت لوعة الغربة في نفس والدتي .. تذكّرت فلسطين والزّروع والبساتين، وتلك الطّفلة التي كانت تلعب معي تحت الشّجر وتحت المطر . كم كان صوتها جميلا وهي تناديني : يا بدوي !. لا بد وإن طالت بها حياة أنها تسرح وتمرح بين تلك المروج، وأنا هنا بين حجارة سوداء عشقها أهلها ولم تنسهم خضرة فلسطين هذا السّواد . إنّه عشق المكان والارتباط الوثيق به بين أهل وعشيرة تجعل العيش الصّعب فيه أفضل من غربة منعّمة .
لقد كان ذلك الرّجل على حق حين كان يتوجّد وهو في فلسطين بقوله : يا عمار يا رحيّب !.. رحيّب الأرض .. رحيّب الوجد والأثر الذي لا ينسى .. رحيّب العزّ بين الأهل والعشيرة .. وقد صدق من قال : كل ديرة عند أهلها شام !
رحم الله صاحب هذه القصّة وأسكنه فسيح جناته .. وفي القصّة أحداث كثيرة تجاوزتها حتى لا يطول المقال
والسلام


2 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *