ليالي ” دمج ” (2)


ليالي ” دمج ” (2)



من الذي يصنع الجمال على أرض جرداء ؟ . ومن الذي يجعل للتراب قيمة ؟
كم من أقدام منتعلة أو حافية مشت على أرض “دمج ” دون أن تدرك أنه سيأتي زمان يكون للخطوة ثمن . وكم من أعين شابة ومشيبة نظرت فيما حولها فارتد إليها طرفها مع إشراقة شمس أو مغيبها دون أن تلمح ذلك السّحر . ففي ذلك الزمان لم يكن هناك ساحر يبدل حقائق الأشياء .. حتى أولئك الذين يصهلون في بيوت مشرعة، لم يدركوا أن للتراب قيمة . وكذلك نحن الذين كنا نجلس في ساعة ” ثرثرة على رأس طعس ” لم ندرك تلك القيمة ، حيث كنا نتجاذب أطراف الحديث في تلك الليلة الصيفية المقمرة، وكان حديثنا يدور تارة حول التاريخ ، وتارة أخرى حول ” أبو الحصين ” الذي نصبنا له ” فخ ” لغرض في نفوسنا . لقد بخلت علينا ” دمج ” في تلك الليلة ولم تمنحنا الصيد ” أبو الحصين ” .. كلا ، لقد كانت كريمة، لكن ” أبو الحصين ” كان ذكيا فترك الفخ وما حواه من قطعة لحم ليقع فيه ” الغراب ” الذي ملأ الفضاء نعيقا !
كانت تلك هي الصورة وتلك كانت الموسيقى .. ولا أحد يعزف لحن البقاء للراحلين !
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله، وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته،لا تقل شئنا فإن الحق شاء
ربما كانت ” دمج ” قطرة من بحر تاريخ .. وعن ” دمج ” تحدثني عجوز بلغت من العمر عتيّا، فقلت لها : إيه .. زيديني عشقا زيديني ! . كانت تحدثني وكنت أستمع إليها وكأني أستمع إلى صوت أم كلثوم وهي تشدو ” قصة الأمس ” . كان يخيّل لي وهي تحدثني بوجد وحنين أن ” دمج ” كانت واحة غناء، تشدو في خمائلها البلابل، وتنوح على أيكها الحمائم، وترتع في عرصاتها المها والغزلان، وعلى طعوسها الوضيحي تثنّى ! . ربما كانت في نظر العجوز أجمل مما ذكرت .. يكفي أنّ تلك الطعوس قد رسمت في يوم من الأيام معالم أقدامها الصغيرة الحافية وهي تسير خلف نويقات أو شويهات . كم هي جميلة تلك الذكرى التي تنتزع من عينيك دمعة على ماض قد يراه البعض كئيبا بئيسا .. إنها قدرة الإنسان على التأقلم مع الطبيعة، بحيث يحب المكان ويعشقه ويرتبط به، ولو كان قاسيا، ولو كان مأواه إلى جذع طلحة . هكذا علمتنا الحياة أن نبكي حتى على قسوتها في حقنا .
والسلام


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *