ليالي ” دمج ” ( 1 )


ليالي ” دمج ” ( 1 )



[SIZE=5]
في هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان ” ليالي دمج “، أحاول ربط الماضي بالحاضر ، ذلك أنّ في الماضي صورتي الحقيقية التي أعشقها . وهذه السلسلة عبارة عن سوالف في زمن عزّت فيه السوالف، بعد أن كانت مجالسنا تزخر بصهيل الرجاجيل في بيوت مشرعة على فضاءات فسيحة .
وعلى ذكر السوالف، فقد قال لي أحد الرفاق بأن ما أكتبه هنا هو مجرد ” سوالف عجائز ” . كان رفيقي يعتقد أنه بهذا التوصيف قد حط من قيمة كتاباتي، ولم يعلم أنه رفعني درجة لا أستحقها . يا صاحبي إني أصغي لإحداهن وهي تحدثني أكثر من إصغائي إلى حملة الدكتوراه . فعجائزنا لم يدرسن النظريّة ليتشدقن بها في الدواوين العامرة بالهلس، بل مارسن تطبيق قوانين الحياة حتى وهن العظم منهن وشابت الرموش . والبيت الذي ليس فيه عجوز، لهو بيت تنقصه الخبرة . وكم هو جميل أن تجد في بيتك من هو أكبر منك سنا . إنك تشعر بمعنى الحياة وأنت تنظر إلى كومة من السنين الغابرة، فتقرأ في تجاعيد الوجه تصاريف الزمان، وفي انحناءة الظهر ثقل الأحمال . وكم تؤنسني سوالف العجوز وهي تحدثني بدون تصنّع . وكم أنا بحاجة إلى صدقها وعفويتها في السّرد . إنها لا تعبأ بالمكيجة كما تفعل أنت وكل الذين يمارسون التلميع الساطع . وفي مقال لاحق سأحدثك عن تاريخ عجوز أعيت الزمان صبرا، ذلك لتعرف قيمة العجائز .
وفي هذه السلسلة التي أكتبها ساعة خلوتي في ” دمج ” الحالمة،أحاول أن أغوص في أعماق النفس لأستخرج منها كنوزها المدفونة بين لحم وشحم وعظم . وهنا أخاطب الضمائر الغائبة والمستترة والمنفصلة، لأقول لنفسي ولكل إنسان : إنتبه ! أنت ” إنسان ” .

وبعد :
فحين تبتعد عن أضواء وضوضاء المدينة وتلجأ إلى مكان تهرب إليه من هموم الدنيا ونشرات الأخبار وقوائم الطلبات التي لا تنتهي ، بدءأ من الملوخيّة وانتهاء بالطلبات والملخصات المدرسية، ذلك الطاعون المنتشر في المكتبات القرطاسية، حيث تحولت المسألة من تربية وتعليم إلى تجارة وتعليم ! فإن كانت الجهة المسئولة لا تدري عما نعانيه فتلك مصيبة وإن كانت تدري ولها النصف أو الربع أو العشر فالمصيبة أعظم . فيا سادة يا كرام .. نحن نريد علما لا بهرجة .
أقول والحالة تلك فلا بد وأن تعض على طرف ثوبك وتمتطي صهوة الريح وتهرب بعقلك إلى المكان الذي يمنحك الشعور بوجودك كإنسان، بل تشعر بين أستاره بأنك طفل صغير ما زال يمص إصبعه .. تشعر بأنك تريد أن تحبو كما كنت تحبو في سابق عهدك وتنادي في أرجاء المكان من حولك بالاسم الأعز في حياتك ” ماما ” !. لكنك أبدا لن تستطيع أن تعيد لنفسك تلك البراءة بعد أن تغيّرت معالمك . لن تجد حضنا يتسع لجسدك ، ولن تجد أكتافا تستطيع حملك وحمل همومك العظام .. لن يكون في مقدور تلك الأرجوحة ” الحمّالة ” المنصوبة بين عمودين أن تحملك .. ولو تمغطّت فيها فلن تجد من يهزّك ويدغدغ جنبيك ويغاغيك . لن تجد من يأخذ بيديك ويقول لك : داده ! .. لن تجد من يفرح لخطوتك المتعثرة .. لن تجد من يسعد بقرقرتك . لن تجد من يلفك بتلك اللفافة ” المقاطة ” لكي تنام . لن تظفر بتلك الخصوصية التي رافقتك أيام طفولتك الأولى – فقط – أنت كبرت !. آآه .. أنت كبرت، كبر عقلك ، كبر قلبك ، قويت عضلاتك .. كان لا بد وأن تكبر معها ” البراءة ” تلك الفطرة الطفوليّة السليمة التي لا تعرف الحقد والحسد . لا تعرف الكذب والتمثيل، هي صادقة كصدق البسمة على ذلك الثغر الصغير . كم هي جميلة تلك البراءة الطفولية حتى عند صغار الحيوانات المتوحشة . تلك البراءة التي لم تتعلم بعد فن إزهاق الحياة ، لكنها ستجد من يعلمها كيف تفترس بلا رحمة، كيف تغرس أنيابها في الأجساد الحيّة، فتحل البراعة في الفتك محل البراءة . وفي عالم الإنسان كان لا بد وأن يأتي من يعلمنا براعة الحبّ، حبّ الحياة ، حبّ الإنسان لأخيه الإنسان .. لأننا في النهاية لن نشرب من دموع أو دماء كنا سببا في إراقتها بألم أو جراح، ولن نأكل أجساد من أزهقنا أرواحهم .وكم هو جميل أن نعزف للحياة أغنية الحب :
ع الحب تصحى أيامنا … ع الشوق تنام ليالينا
والسلام[/SIZE]


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *