حتى الدول لا تسلم من سخط التاريخ


حتى الدول لا تسلم من سخط التاريخ



بقلم / أحمد الرجاء

 

 

مع أن ” الدولة الأموية الاولى في الشام ” لم تدم لأكثر من قرن إلا أنها الأكثر خلافاً بين المهتمين بالتاريخ  إلى حد أنها قد أورثت لنا صراعاً عنيفاً على مستوى المذاهب الإسلامية المختلفة وعلى مستوى أتباع المذهب الواحد أيضاً ، ودائماً مايكون تساؤل الباحث في التاريخ ؛ ما سبب تشابك وأختصار الكثير من أحداث تلك الدولة  دون سابقاتها من الدول وما تبعها ؟

ففي العديد من كتب التاريخ التي حالفني الحظ في الإطلاع عليها لاحظت أن تاريخ الدولة الأموية يحوي لغطاً وأختصاراً لأحداثٍ كثيرة وكأنما شُغلَ المؤرخين بما هو أهم من تأريخ تلك الفترة من العصر الذهبي الإسلامي ، وما تم تأريخه في هذه الكتب يسوقك ببساطة إلى إلإعتقاد أنه صادر من أشخاصٍ حاقدين على تلك الحقبة وحكّامها أو يحملو في عقولهم

ما أسميته بِـ ” السخط التاريخي ! ” – والذي سأحاول تفسيره في بقية المقالة – .

ورغم قصر مدة هذة الدولة إلا أنها الأكثر فتوحات وتوسّعٍ جغرافي ونمو إقتصادي كبير ، ومما يثير حفيظة الباحثين في تاريخ الدولة الاموية أن الذين تولوّ عرش خلافتها أسماءٌ عظيمة لا يستهان بهم ولا يمكن التلاعب في تأريخ فترة حكمهم ؛ كالصحابي الجليل معاوية أبن أبي سفيان ‘ رضي الله عنه ‘ وعبدالملك بن مروان وأبنه الوليد وعمر بن عبدالعزيز الذي يُلقب بخامس الخلفاء الراشدين ، وقد مر على هذه الدولة ولاة وقيادين لا يمكن نكران فضلهم في توسع حدود الدولة ؛ كالمهلب أبن ابي سفرة ، والحجاج بن يوسف الثقفي ” رغم اختلاف الكثير معي في فضل هذا الرجل على الدولة الاموية خاصة والاسلام بوجهٍ عام “، فمالذي جعل مؤرخي ذلك التاريخ يحملمون في عقولهم سخطاً تجاه دولة قادتها تلك الأسماء الكبيرة ؟

في الحقيقة أن التاريخ كالشمس لا يمكن حجبه أو التلاعب به ، أنما يمكن حجب ذكر أحداث معينة وأختلاق أحداث أخرى قد تؤثر على ذلك التاريخ سلباً أوإيجاباً ، ومما جعل الدولة الأموية تقع في فخ الإختلاق هي أحداث حصلت في الدولة ذاتها أصابتها بالسخط التاريخي” الذي يؤثر عليها تأريخياً رغم ميراثها العظيم  .

برأيي ؛ ان هناك أسباب عديدة قد سمحت لنزول هذا السخط في عقول المؤرخين والباحثين والقراء ، منها أن من يعود لتوقيت نشأة الدولة الأموية يعلم جيداً أنها قامت تبعاً لخلافة راشدة أنتهت بفتنة عظيمة بين الصحابة ‘ رضي الله عنهم أجمعين ‘ سَبق للرسول ﷺ تحذيرهم منها ، فيتساور للمؤرخ وللمطّلع أيضاً شعور بأن هذه الدولة قامت بصفة غير شرعية ” وهذا الشعور بذاته خطأ فادح ” لأنه لا يمكن أعتبار الحكم الأموي إنقلاباً على الخلافة الراشدة إلا إذا كان ذلك على حساب إسقاط خلافة الصحابي الجليل علي أبن أبي طالب  ‘ رضي الله عنه ‘ والحل محلها ، ولكن قيام الدولة الأموية سبق سقوط حكم الخلافة الراشدة وإن كان توسعها قد حصل على أنقاض تلك الأخيرة .

وما يمكن أعتباره سبباً من تلك الأسباب ؛ أنه في تلك المدة لم تكن وحدة صف المسلمين كما هي عليه منذ عهد الرسول ﷺ ثم الخلفاء الراشدين ، لأنه مع نشأة الدولة الأموية قد تشتت الجموع وتعدد الخلفاء في أراضي المسلمين على أثر تلك الفتنة ، وبالتالي فأن من عاصر الدولتين وحال كلاً منهما قد يُغرس فيه السخط إذا عمد إلى المقارنة بينهما .

أما أهم تلك الأسباب فهي : أنه في ظل حكم الدولة الأموية قد سُفكت دماء شخصياتٍ عظيمة ومؤثرة في نفوس الناس لا يرحم التاريخ قاتليها ، أمثال :الحسين أبن علي أبن أبي طالب ، وعبدالله ومصعب أبناء الزبير ‘رضي الله عنهم ‘ وسعيد إبن جبير التابعي الزاهد ، وأسماء عديدة كانت وما زالت مكانتها عظيمة في قلوب الناس .

وهذه الأسباب هي التي غرست ذلك السخط في عقول الأغلبية ، وجعلت المسؤلين عن تأريخ تلك الأحداث غير منصفين في مجملها .

في النهاية لا يمكن حجب أو إنكار لتأثير الدولة الأموية على مسار العصر الإسلامي سياسياً وأقتصادياً وجغرافياً ، ولكن هذه الأسباب لم تمنع أرتباطها بالسخط التأريخي الذي جعلها موقع صراعٍ ممتد إلى ساعتنا هذه .

 

أحمد الرجاء

ahmad_alraja@

 


4 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *