إيقاعات من وحي الأيام !


إيقاعات من وحي الأيام !


 

في كثير من الأحيان يشعر الإنسان بالغربة وهو يعيش بين أهله وأحبابه . إنها غربة الزمان حين تتبدل الأحوال وتخيب الآمال، فيصبح الإنسان جسدا مستقرا في حاضر، وفكرا يفر إلى ماض، وما بين الماضي والحاضر تكمن الحكاية، ويتلاحق الخطو إلى غيب المستقبل، والحياة رواية تكتبها الليالي والأيام، فصولها أحلام وآمال وأحزان وأشجان . نحلم أن نكون وقد لا نكون، فتصبح الحياة سجنا، مفاتيحه من ذهب وقيوده من حرير . وبين عنابره نبحث عن سعادة، فنطير نحوها من غير أجنحة، فما نلبث أن نسقط حيث كنّا. وفي يوم ” الزّينة ” نلبس الثوب الجديد، ونبتسم للآتي من بعيد، بسمة مكذوبة نستر بها عورة ال” آآآه ” حين يكون الكذب وسيلة . هناك حيث تقيل الذكريات نهرب إليها، نحضنها بأيد خالية، نهيم معها حيث تهيم، تحدثنا، ثم ترحل عنا بصمت، فتتركنا نتعلّق بقشّة، في بحر شطآنه بعيدة، ونحن عطشى والبحر لا يروينا . يقذفنا الموج حيث يريد ولا نريد، وحين يهدأ البحر وترسي مراسينا، تبقى الذكريات تضحكنا وتبكينا .

وبعد :

كنّا نجتمع – معشر الرفاق – ليلا في غرفة من الطين عرشها مرابيع خشب مغطى بصفائح براميل الزّفت، يعلوها طبقة رقيقة من الاسمنت . بابها المتجه نحو مطلع الشمس أكله الصدأ، وكذلك حال نافذتها الغربية التي تطل على بيوتات متناثرة أبى الزمان إلا أن يحط أهلها رحالهم فيها بحثا عن حياة أخرى .

كانت تلك الغرفة – المضاءة بفانوس صغير – بمثابة الصالون الأدبي لشلّة الرفاق الذين لا يعرفون من وسائل الأدب والثقافة غير ” ألف ليلة وليلة ” واسطوانة يدور رحاها بقصة ” شفيقة ومتولي ” .

هناك كنا نحلم .. كنا نتمنى حيث الأماني بالمجان ، فأي أحلام وأي أماني ستتحقق من غرفة أرضيتها تراب وسقفها ينقط بالزفت وقت القيظ ؟. كنا سعداء حيث كانت الدنيا من حولنا سعيدة .. هكذا كنا نرى ونشعر .. نضحك بملىء أشداقنا حتى إراقة الدموع . وكان من عادتنا أن يأتي كل واحد منا بما تجود به نفسه أو نفس أمه أو أبيه من طعام . وكان أجودنا الرفيق ” عطاالله ” حيث كانت أمه ميسورة الحال، ومن عادته أن يأتينا في كل ليلة جمعة من آخر الشهر بعلبة ” لحمة الخروف ” صدقة منه عن روح أبيه، حتى أن أحد الرفاق قال له ذات ليلة وهو يقلقل اللحمة : متى تلحق أمك بأبيك  لنظفر بعلبتين من لحمة الخروف ؟! فضحكنا الليل كله .

وفي إحدى ليالي المربعانية كنا متحلقين – معشر الرفاق – حول ” الدافور ” وكانت وجبة العشاء في تلك الليلة الخبز والشاي لا غير. وكنا نتجاذب أطراف الحديث حيث الأماني يعلوها سقف من الزّفت . لكن أحد الرفاق اخترق حاجزي الزفت والخشب، فأقسم وهو يغمس لقمته في كأس الشاي بأنه سيصبح مليونير ! فعمّت الدهشة وجوه الرفاق، لأنه لم يأت ذكر للفلوس في تلك الليلة المتجمدة، ولا حتى في ليالي الصيف التي تتمغط فيها الأحلام . بعدها تعالت قهقهات الرفاق سخرية من حلم مستحيل، فقال له عطاالله وهو يتلحف بمعطف أمه التي تفوح من جيوبها رائحة الشيح والقيصوم والحلتيت : مليونير ! .. ألا ترى ما نحن فيه ؟!

في تلك الفترة لم يكن أحد يتحدث عن ملايين، وكان الحديث يدور حول ” الفكّة ” التي تشعرنا بسعادة الدنيا .. إنها دراهم معدودة في صرّة بالية محفوظة في ” صفط الوهد ” . وكانت أسعد الأيام عندي ذلك اليوم الذي يأتي فيه عمي من البادية لزيارتنا، حيث بقي وفيّا لتلك الحياة حتى آخر لحظة من عمره . حينها كنت أشعر بفرحتان : فرحة بلقاء عمي وفرحة بذلك الوعاء الجلدي ” الصّفن ” المختبىء تحت معطفه، فكنت أقبّل عمي وعيني على تلك السلسلة التي تتدلى، فأطمئن بأنني سأحظى بشيء من تلك ” الفكّة ” التي يحويها ذلك الصّفن .

دارت بنا الأيام وتفرق الرفاق كل في طريق، وبقيت تلك الغرفة شاهدة على أيام وليال حسان .. تركناها وسقفها يدلف مطرا يروي ذكريات وأماني وأحلام طوال عراض، ومشينا كل في طريق . وبعد سنين تلاقينا لقاء الغرباء .

وللحديث بقية في المقال القادم بإذن الله 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *