المقعد الأخير !


المقعد الأخير !



 

في يوم من الأيام دخل علينا مدير المدرسة، فكتب على السبورة أية من سورة يوسف، ووضع خطا تحت ” ونحن عصبة ” وطلب منا إعراب الجملة. لكن لم يستجب أحد من الطلاب لدعوته، وعمّ السكون الفصل . وكان من عادتي أن لا أجيب على سؤال إلا إذا كان موجها لي مباشرة . فكرّر المدير الدعوة، فلم يستجب أحد. حينها رفعت يدي، فقال لي ساخرا : هاه وش عندك ؟!. فقمت وأعربت الجملة، وبدلا من أن يشكرني رماني من بعيد بالطبشورة، وقال غاضبا : لماذا تجلس في المقعد الأخير ؟!

الحقيقة أني لم أجب على سؤال المدير فيما يخص المقعد الأخير، لأني خشيت أن يضربني بالممسحة، واكتفيت بالصمت .

وفي أعراف المدرسة أنّ المقاعد الأخيرة هي مأوى الطلاب الكسالى ، وهذا غير صحيح على إطلاقه، حيث أن في المقاعد الأخيرة زميل آخر هو أذكى طلاب الفصل لكنه كان غائبا في ذلك اليوم الأغر، وإلا لكان تلقّى عني قذيفة الطبشورة .

وبعد تلك الحادثة قرأت في التاريخ أن أحد الخلفاء قد سار على رأس جيش لملاقاة الروم، وكان مزهوا بذلك الجيش، فسأل أحد مرافقيه إن كان في الجيش ألف فارس، فقال له : كلا ! . فغضب الخليفة . ثم قال له : أليس في الجيش خمسمائة فارس ؟ فقال له : كلا ! فازداد الخليفة غضبا، وأمر بوضع الأغلال في يدي الرجل . وحين التقى الجيشان، خرج من بين صفوف الروم فارس يطلب المبارزة، فخرج له فارس من جيش الخليفة، فقتله الرومي، وبقي الرومي يطلب المبارزة حتى قضى على عشرة من فرسان الخليفة . غضب الخليفة وتذكر صاحبه الذي أودعه السجن، فاستدعاه يستشيره في الأمر الجلل. فقال الرجل الخبير بمعادن الرجال هاتوا لي فلان بن فلان ( رجل من أهل الثغور ) فبحثوا عنه فوجدوه في الساقية في مؤخرة الجيش، فجاء الرجل على فرس هزيل، وكان أشعث أغبر ، فأخبروه بما فعل الرومي بفرسانهم، فطلب حبلا وخرج لملاقاة الرومي مبارزا، فضربه بالحبل، فالتف على رقبة الرومي، فسحبه وجاء يجرّه إلى معسكر الخليفة .

تلك القصة قرأتها قديما، ونسيت أسماء شخوصها، لكنني أتذكرها كلما نظرت إلى ” المقعد الأخير ” الذي تربطني به علاقة قديمة، فمنذ أن كنت طفلا وأنا أهوى المقعد الأخير أو المكان الأخير أو الصف الأخير، حتى أنني كنت أتخلف عن الظعن فكانت أمي تناديني من بعيد : إلحق .. إلحق !

الحقيقة أنني دائما في حالة تأمل، وكنت أحب أن تكون كل الأشياء أمامي لكي أرى المشهد كاملا بأدق تفاصيله . والدي الذي كان في مقدمة الظعن – يهيجن – لا يدرك ما يجري في مؤخرة الظعن، حتى ولو سقط جود الماء الذي يبل أكبادنا .

وحين أنشأت بيتي جعلته في آخر قطعة الأرض، حتى أن الذي يزورني يصاب بشد عضلي وهو يسير من البوابة الخارجية إلى البيت. وقد لامني الأصحاب على ذلك وهم لا يدركون المغزى، وأني أحب أن تكون كل المشاهد أمامي أنظر إليها من النافذة العريضة، فأنا لا أحب أن ألتفت للوراء إلا حين أتذكر الماضي .

وإن كنت هنا أتحدث عن المقعد الأخير فإني لا أتحدث عن مقعدي، فأنا لا أساوي شيئا في دنيا الناس ، ولكني أدعو الناس أن يلتفتوا إلى أصحاب المقاعد الأخيرة أولئك الذين لم تغرهم بهرجة الدنيا من أهل العلم والفكر والرأي والحكمة ، فهم القادرون على رؤية المشاهد كاملة . أما أولئك المتسابقون نحو الصفوف الأولى ليتصدروا المشاهد فلا خير في الكثيرين منهم، وإن علت أصواتهم وزهت صورهم في المحافل والدواوين .

ابحثوا عن أصحاب المقاعد الأخيرة


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *