تلف العيون والقلوب !


تلف العيون والقلوب !


تلف العيون والقلوب !

قال صاحبي :
أتى عليّ حين من الدهر لم أدرك فيه حقيقة التلفزيون وسيظل الأمر ” سري للغاية ” إلى أن يأتي اليوم الذي أملك فيه جهاز تلفزيون ” بلا حدود “.
وفي إحدى السنين العجاف عقدت قراني على ” بهيّة “، ولم يكن من شروط صحة العقد أن يكون لديّ جهاز تلفزيون، وكنت أريد أن تكون ” بهيّة ” هي محطتي ” الإخبارية “.وهي قادرة على أن تكون كذلك، وصوتها يذكرني ب ” جميل عازر “. وفي بيت متواضع عشت أنا وبهية كزوجي بطّ . كل واحد يبطبط للثاني . وبعد حين طفشت بهية، وطفشت أنا من كثرة البطبطة ، فكان لا بد من وضع حد لهذه البطبطة، خصوصا وأنّ كل واحد منا أخذ يسير في ” الإتجاه المعاكس “. و” بالعربي ” التلفزيون هو الحل ! وذلك شعار من لا شعور له .
وفي ” زيارة خاصة ” إلى حماتي أكدت لي بأن التلفزيون هو سلوتها في خلوتها، وهي تعاني من الضغط والسكري والروماتيزم ، وبتوصية منها ذهبت لأحد المحلات، وانتقيت ما يوصلني أنا وبهيّة بذيل العالم ( تلفزيون ملون بمرتب شهرين متتابعين والصناعة يابانية ) .
كانت فرحة بهية بالتلفزيون غامرة، وتحت تأثير ” إضاءات ” التلفزيون تعطلت لديها لغة الكلام، وأصبحت عيناها لا تفارقان الشاشة حتى نهاية الإرسال ، بينما صِعتُ أنا عند الأصحاب
ولأول مرة أدرك أن بهيّة لديها هذا الكم الهائل من احتياطي الدمع .. ففي ذات يوم ألفيتها تبكي بكاء شديدا !
– مالك يا بهية ؟
لم تستطع الكلام وأشارت إلى التلفزيون !
– كفكفي دموعك يا بهية ،، هذه لعبة لا تستحق كل هذه الدموع .
– ليه هوه إنته مالكش قلب ؟!
– جرى إيه يا بهية .. عايزاني أفتح مناحة في بيتي .. دنا لي قلب حطيته تحت الجزمة يا بهية !
كان التلفزيون في ذلك الوقت مقدور عليه، حيث البث الأرضي والساعات محدودة، ولم أكن أتصور أن يأتي يوم يعلو سطح رأسي كل هذا الكم الهائل من المحطات الفضائية . لكن أصبح جميع الجيران يملكون الأطباق الفضائية وكنت مُصِّرا على أن لا طبق يعلو طبق رأسي . لكن ضغوطات بهية على نافوخي كانت قوية، تساندها رغبة الأولاد الذين يرون أنفسهم محرومين مما يتمتع به الآخرون ، فكانت المحطات المحترمة في نظرهم المدخل لتحقيق المأرب !
وتحت الضغط كان الصحن ” الأسود ” يعلو سطح بيتي الأبيض ليستقبل ما تبثه أقمار العرب ، وأصبح لدي أربعة تلفزيونات، وكل فريق معزول في غرفته الخاصة !
أدركت أخيرا أن هذه هي ” صناعة الموت ” موت الوقت وموت المشاعر والفكر والأخلاق الفاضلة .. إنها صناعة الفساد لإعلام منحط لا يخدم إلا الشهوانية . فإذا كان قتل الأنفس إرهابا فإن قتل الأخلاق الفاضلة لدى الشعوب إرهاب أيضا . وإذا كانت محاربة الإرهاب تعتمد على تجفيف المنابع من تمويل وعناصر وفكر وبيئة حاضنة ، فلا بد من اتباع ذات المنهج في محاربة هذا الفساد .فنحن اليوم نعيش مرحلة ” الإلهاء ” المتعمَّد ، والكل يعلم أن وسائل الإعلام وبالأخص المحطات الفضائية لا تخدم مصالحنا ، فإما أن تكون فاسدة أو تافهة، والأخطر أن تعمل بيننا لمصلحة من لا يريد بنا خيرا . والعملية تحتاج إلى إرادة .. إرادة تحوّل كل هذا الفساد وهذه التفاهة إلى خير يتم من خلاله تغيير واقعنا البئيس الذي يتحكم فيه إبليس . فقد أصبح التلفزيون أكبر قوة لعينه على سطح الأرض .

 


1 ping

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *