الإفراط في الأحلام والتفكير !


الإفراط في الأحلام والتفكير !


الإفراط في الأحلام والتفكير !

وبحسب المفهوم العربي، فإن الأحلام حق مشروع للغلابا النائمين، بينما التفكير حق مشروع – فقط – لأصحاب الفهمنة !. وقديما قال أحد المشاكسين : أنا أفكر، إذن أنا موجود ! وبما أن تلك المقولة متعبة لأصحاب الأدمغة المتكلّسة، فلا بد من البحث عن مقولة أخرى أكثر رومانسية لإثبات الوجوديّة وهي القول “أنا أحلم، إذن أنا نائم ” . وإذا كان العرب يحلمون باسترجاع فلسطين فهذا يعني أنهم نائمون .
وبما أني أحد أولئك الحالمين فقد عانيت من الأحلام كثيرا، فما أن أضع رأسي على الوسادة حتى يبدأ مخي بعرض الأفلام السينمائية المرعبة، فنصحني أحد الأصدقاء في محاولة منه لفك هذا الارتباط بأن أتخيل – لحظة الخلود إلى النوم – أني في روضة غناء تكسوها الخضرة، والعصافير تزقزق، والبلابل تشدو، إلخ ! فأخذت بنصيحة صاحبي وأطلقت العنان لخيالي في محاولة لإنتاج حلم جميل على صفحة مخي . وما أن أسلمت النفس حتى ظهرت لي صورة ” مغيضة ” تلك العجوز الثرماء التي تكره حتى نفسها !
الحقيقة أني لم أتخيل ” مغيضة ” في ذلك السيناريو، لكن المخرج ” العفريت ” عايز كدا !. مغيضة يا مفتري !. فقمت من نومي مذعورا، وتعوذت من ” المخرج “، ثم أعدت سيناريو ” الروضة الغناء “، وكلي أمل أن ينقطع الاتصال بالمهيبة ” مغيضة “، فجاء الحلم رهيبا ، في مشهد لم أحلم بمثله قط ، حتى أنني من شدة الرعب كنت أتمنى وأنا أحلم أن يكون ذلك حلما، فقمت وقد غسلت مخي من إنتاج حلم جميل، وعلمت أنه لا يمكن التحكم في الأحلام .
ونحن العرب مولعون بالأحلام وتفسيرها، حتى أن هناك مؤلفات وفقهاء ومحطات فضائية تعتني بمنتوجات ” الأسرّة ” ، حتى السياسة والاقتصاد تدار عن طريق الأحلام . ينام أحدهم فيحلم أن في يده سيفا مكتوب عليه ” لا إله إلا الله ” باللون الأحمر ! . والأمر لا يحتاج إلى صدّيق بن صدّيق لكي يعبّر تخاريف إبليس، ولن يجد سيادته من يقول له ” أضغاث أحلام ” فهناك ألف دجال ودجال (بلحية وبغير لحية ) سيجعلون منه سادس الخلفاء الراشدين، ومن حقه أن يحلم بأي شيء، ومن حقي أن أفكر بأنه خليفة الشيطان الرجيم . والعجيب أن هناك من يحلم لفخامته ، تلميع حتى في الأحلام .
وفي مفهوم الديمقراطية العربية من حقّ الشعوب الإفراط في الأحلام، في الأكل والشرب، في المدح والفرح والحزن . فالإفراط في الأحلام يدل على أن الشعوب نائمة، والإفراط في الأكل والشرب يدل على أن الشعوب بصحة وعافية، والإفراط في الفرح يدل على أن الشعوب في هناء وسعادة، والإفراط في الحزن يزّهد الشعوب في متطلبات الحياة الدنيا، والإفراط في المدح يدل على أن الأنظمة عال العال !. أما الإفراط في التفكير فهو أمر خطير موجب للعقوبة بالنفي أو السجن أو القتل . علما أن كل المخترعات والمكتشفات هي نتيجة الإفراط في التفكير، والذي أدى إلى تطور بعض الأمم وامتلاكها القوة والمنعة . وفي المفهوم العربي فإن الإفراط في التفكير قرين ” الإرهاب ” . وقد سنّت الأنظمة قوانين لمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه . والحق أن قانون مكافحة التفكير في عالمنا العربي والإسلامي سابق لقانون مكافحة الإرهاب، كان ذلك قبل سبعمائة سنة ، وعليه فلا غرابة أن يصدر حكما بالسجن بحق المخترع التونسي بتهمة ” الإفراط في التفكير ” ذلك حين قام باختراع صاروخ يبلغ مداه ( 5كم )! ومن يدري فقد يسن قانون لمكافحة الأحلام فتعمد الأدمغة المستبدة لغرز شريحة في جمجمة كل مواطن لمراقبة أحلامه . وأخيرا لا بد من التذكير بمقولة ” النوم عبادة “!
والسلام


3 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *