التّصلّع العربي !


التّصلّع العربي !



التّصلّع العربي !

دخل القرن الواحد والعشرون على حين غفلة ولم ينبت لي ” قرن ” . فقد كنت مشغولا بحراثة القرون الوسطى بحثا عن دواء لهذا الداء المستفحل على قمّة رأسي، فأصبحت من فصيلة ” القرعان “، يعني لا أشطح ولا أنطح . وبما أنّ القرن المنصرم قد شهد إنجازات علميّة بالغة التعقيد، إلا أنّه ولىّ ولم يكتشف فيه العباقرة علاجا فعالا لداء الصلع . وكنت فيما سبق أعتقد أنّ الصلعان هم أذكى البشر، وحين تبدّت لي صلعتي علمت خطأ اعتقادي . ومع ما يشكّله الصلع من مشكلة للصلعان، إلا أني أجد متعة بالغة في صلعتي، وبالأخص حين أدهن مساراتها ومزالقها بزيت الزيتون لتتزحلف عليها قرارات ” أم العيال ” . ومن حسنات هذا التّصلّع أني أوفّر على نفسي متاعب الحلاقة الهنديّة والكريمات والشامبوهات الفرنسية ، فصابونة ” لوكس ” كفيلة بأن تجعل صلعتي “ديلوكس ” ، وكفى الله الصّلعان نشرات الدّعاية والإعلان . وكم أتمنى أن يحلّ هذا الداء في رؤوس النساء حتى نخلص من همّ الكوافيرات ولا تتطاول المرأة القرناء بجدائلها على الرجل الذي أصبح في هذا العصر ” أقرع ” حتى من الفحولة . فالذي تنفقه النساء على شعورهن أضعاف ما ينفقنه على عقولهن . وحين تفوح رائحة شياط الطبخ المحترق من خلال ثقب الأوزون فذلك يعني أن ” الزّبّاء ” تجلس أمام التسريحة تهندس شعرها وتعفّر بالمساحيق وجهها وهي تغني ” يمّه القمر على الباب ” في الوقت الذي يصرخ فيه ابن البقرة من الرضاعة ” نيدو .. نيدو ” . فالمكيجة أصبحت مطلبا لذوات القرون ولو على حساب البطون ، وكل واحدة تعتقد أنها ملكة جمال الكون .
الغريب أنّ علماء ” الصلعلوجيا ” يقولون بأنّ الصّلع ينتقل بالوراثة . وعند البحث والتّحري في كروموزومات أجدادي القدماء وجدتهم من أصحاب القرون ، حتى أنّ جدّي الذي لا يفصله عني غير أبي كان يعقل بعيره بظفيرة من جدائله . وبعد تدقيق وتمحيص للوضع الراهن على أم رأسي، تأكد لي بأن هذا التّصحّر الشّعري إنما هو بسبب قراءتي للتاريخ العربي، ونتيجة حتميّة للتفكير المستغرق والمستمر في معادلات الكر والفر، وتفاعلات الودّ واللّد، وانفعالات الحماس، والسّح والدّح، ومراسيم الحفاوة والتكريم، والخطب العصماء والقرارات العمياء . فمن غير المعقول أن يثبت شعر رأسي حين يسقط الأدهم بعنترة بن شداد ذلك المغوار الذي كان يغير على ذبيان من أجل زغاريد “عبلة “. ومن غير المعقول أن يبقى شعري وأنا أفرك رأسي بحثا عن مخرج لشروط البسوس والتي لا تقبل بغير رأس كليب ثمنا لناقتها ” سراب ” . وكيف لا يسقط شعر رأسي وسيف بن ذي يزن يجري مباحثاته الفاشلة مع القيصر وهرقل لإخراج المحتل الحبشي من دياره، وفي العرب من يتشدق قائلا : ونشرب الكاكولا إذا وردنا صفوا وغيرنا يشرب كدرا وطينا !. وكيف لا أصبح أهلس أملس وفي العرب من كان يقول ” سأحرق نصف اسرائيل ” فاحترق وأحرق العرب . لكن أحمد الله أن طار شعري ولم يطر عقلي الذي ما زلت أهتدي به في ظلمات التاريخ العربي . ومع كل هذا التّصلّع فإني ما زلت أبحث عن شعرة معاوية أملا في استنباتها في رأسي ورؤوس كافة الصلعان .

أشوفكم – إن شاء الله – على خير


2 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *